كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 2)
صفحة رقم 292
ولما كان ذلك موجباً لإعراض عنهم رأساً ومنابذتهم قولاً وفعلاً ، وبين سبحانه وتعالى أن التحية ليست من وادي الشفاعة ، وأن لاشفاعة تابعة للعمل ، والتحية تابعة للظاهر ، فقال سبحانه وتعالى عاطفاً على ما تقديره : فلا تشفعوا فيهم وأنتم تعلمون سوء مقاصدهم ، فقال معبراً بأداة التحقق بشارة لهم بأنهم يصرون - بعد ما هم فيه الآن من النكد - ملوكاً ، وفي حكم الملوك ، يحبون ويشفع عندهم ، وحثاً على التواضع : ( وإذا حييتم بتحية ) أي أي تحية كانت إيذا كانت مشروعة ، وأصل التحية الملك ، واشتقاقها من الحياة ، فكأن أي تحية كانت إذا كانت مشروعة ، وأصل الحية الملك ، واشتقاقها يبدأ به عند اللقاء ؛ وقال الأصبهاني : لفظ التحية صار كناية عن الإكرام ، فجميع أنواع الإكرام تدخل تحت لفظ التحية ) فحيوا بأحسن منها ( كأن تزيدوا عليها ) أو ردوها ) أي من غير زيادة ولا نقص ، وذلك دال على وجوب رد السلام - من الأمر ، وعلى الفور - من الفاء والإجماع موافق لذلك ، وترك الجواب إهانة ، والإهانة ضرر ، والضرر حرام ؛ قال الأصبهاني : والمبتدىء يقول : السلام عليكم ، والمجيب يقول : وعليكم السلام ، ليكون الافتتاح والاختتام بذكر الله سبحانه وتعالى .
ما أحسن جعلها تالية لآية الجهاد إشارة إلى أن من بذل السلام وجب الكف عنه ولو كان في الحرب ، على أن من مقتضيات هاتين الآيتين أن مبني هذه السورة على الندب إلى الإحسان والتعاطف والتواصل ، وسبب ذلك إما المال وقد تقدم الأمر به في قوله تعالى
77 ( ) وإذا حضر القسمة ( ) 7
[ النساء : 8 ] ، وإما غيره ومن أعظمه القولن ، لأنه ترجمان القلب الذي به العطف ، ومن أعظم ذلك الشفاعة والتحية ، قال عليه الصلاة والسلام فيما أخرجه مسلم والأربعة عن أبي هريرة رضي الله عنه ( والذي نفسي بيده لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا ، ولا تؤمنوا حتى تحابوا ، أفلا أدلكم على أمر إذا فعلتموه تحاببتم ، أفشوا السلام بينكم ) فناسب ذكر هاتين الآيتين بعد ذكر آية الجهاد المختتمة بالبأس والتنكيل .
ولما كانت الشفاعة أعظمها في الإحسان قدمت ولا سيما وموجبها الإعراض ، ومقصد السورة التواصل ، فشأنها أهم والنظر إليها آكد ، ثم رغب في الإحسان في الرد ، ورهب من تركه بقوله معللاً : ( إن الله ) أي الذي له الإحاطة علماً وقدرة ) كان ) أي أزلاً وأبداً ) على كل شيء حسيباً ) أي محصياً لجميع المتعددات دقيقها وجليلها ، كافياً لها في أقواتها وموباتها ، محاسباً بها ، مجازياً عليها ، وذلك كله شأن المقيت ؛ ثم