كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 2)

صفحة رقم 295
الفعل المودود - ولم يسبب - قوله : ( فتكونون ) أي وودوا أن يتسبب عن ذلك ويتعقبه أن تكونوا أنتم وهم ) سواء ) أي في الضلال ، أي توجدون الكفر وتجددونه وتستمرون عليه دائماً ، فأنتم ترجون في زمان الرفق بهم هدايتهم وهم يودون فيه كفركم وضلالكم ، فقد تباعدتم في المذاهب وتباينتم في المقاصد .
ولما أخبر بهذه الودادة ، سبب عنه أمرهم بالبراءة منهم حتى يصلحوا ، بياناً لأن قولهم في الإيمان لا يقبل ما لم يصدقوه بفعل فقال : ( فلا تتخذوا ) أي أيها المؤمنون ) منهم أولياء ) أي أقرباء منكم ) حتى يهاجروا ) أي يوقعوا المهاجرة ) في سبيل الله ) أي يهرجوا من خالفهم في ذات من لا شبه له ، ويتسببوا في هجرانه لهم إن كانوا في دار الحرب فبتركها ، وإن كانوا عندكم فبترك موادة الكفرة والموافقة لهم في أقوالهم وأفعالهم وإن كانوا أقرب أقربائهم ، وهجرتهم في جميع ذلك بمواصلتكم في جميع أقوالكم وأفعالكم ، والهجرة العامة هي ترك ما نهى الله سبحانه وتعالى ورسوله ( صلى الله عليه وسلم ) عنه .
ولما نهى عن موالاتهم وغيّي النهي بالهجرة ، سبب عنه قوله : ( فإن تولوا ) أي عن الهجرة المذكورة ) فخذوهم ) أي اقهروهم بالأسر وغيره ) واقتلوهم حيث وجدتموهم ) أي في حل أو حرم .
ولما كانوا يف هذه الحالة لا يوالون المؤمنين إلا تكلفاً قال : ( ولا تتخذوا ) أي تتكلفوا أن تأخذوا ) منهم ولياً ) أي من تفعلون معه فعل المقارب المصافي ) ولا نصيراً ( على أحد من أعدائكم ، بل جانبوهم مجانبة كلية .
ولما كان سبحانه وتعالى قد أمر فيهم على تقدير توليهم بما أمر ، استثنى منه فقال : ( إلا الذين يصلون ( فراراً منكم ، وهم من الكفار عند الجمهور ) حصرت ( اي ضاقت وهابت وأحجمت ) صدورهم أن ) أي عن أن ) يقاتلوكم ) أي لأجل دينهم وقومهم ) أو يقاتلوهم قومهم ) أي لأجلكم فراراً أن يكفوا عن قتالكم وقتال قومهم فلا تأخذوهم ولا تقاتلوهم ، لأنهم كالمسالمين بترك القتال ، ولعله عبر بالماضي في ( جاء ) إشارة إلى أن شرط مساواتهم للواصلين إلى المعاهدين عدم التكرر ، فإن تكرر ذلك منهم فهم الآخرون الآتي حكمهم .
ولما كان التقدير : فلو شاء الله لجعلهم مع قومهم إلباً واحداً عليكم ، عطف عليه قوله : ( ولو ) أي يكون المعنى : والحال أنه لو ) شاء الله ) أي وهو المتصف بكل كمال ) لسلطهم ) أي هؤلاء الواصلين والجائين على تلك الحال من الكفار ) عليكم ( ينوع من أنواع التسليط ، تسليطاًَ جارياً على الأسباب ومقتضى العوائد ، لأن بهم قوة على قتالكم ) فلقاتلوكم ) أي فتسبب عن هذا التسليط أنهم قاتولكم منفردين أو مع غيرهم من أعدائكم ، واللم فيه جواب ( لو ) على التكرير ، أو البدل من سلط .

الصفحة 295