كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 2)

صفحة رقم 314
الجدوى ، فقال سبحانه وتعالى معجباً منهم بما هو كالتعليل لما قبله : ( يستخفون ) أي هؤلاء الخونة : طعمة ومن مالأه وهو يعلم باطن أمره ) من الناس ( حياء منهم وخوفاً من أن يضروهم لمشاهدتهم لهم وقوفاً مع الوهم كالبهائم ) ولا يستخفون ( اي يطلبون ويوجدون الخفية بعدم الخيانة ) من الله ) أي الذي لا شيء أظهر منه لما له من صفات الكمال ) وهو ) أي والحال أنه ) معهم ( لا يغيب عنه شيء من أحوالهم ، ولا يعجزه شيء من نكالهم ، فالاستخفاء منه لا يكون إلا بترك الخيانة ومحض الإخلاص ، فواسوأتاه من أغلب الأفعال والأقوال والأحوال ) إذ ) أي حين ) يبيتون ) أي يرتبون ليلاً على طريق الإمعان في الفكر والإتقان للرأي ) ما لا يرضى من القول ) أي من البهت والحلف عليه ، فلا يستحيون منه ولا يخافون ، لاستيلاء الجهل والغفلة على قلوبهم وعدم إيمانهم بالغيب .
ولما أثبت علمه سبحانه وتعالى بهذا من حالهم عم فقال : ( وكان الله ) أي الذي كل شيء في قبضته لأنه الواحد الذي لا كفوء له ) بما يعملون ) أي منهذا وغيره ) محيطاً ) أي علماً وقدرة .
ولما وبخهم سبحانه وتعالى على جهلهم ، حذر من مناصرتهم فقال مبنياً أنها لا تجديهم شيئاً ، مخوفاً لهم جداً بالمواجهة بمثل هذا التنبيه والخطاب ثم الإشارة بعد : ( هاأنتم هؤلاء ( وزاد في الترهيب للتعيين بما هو من الجدل الذي هو أشد الخصومة - من جدل الحبل الذي هو شدة فتله - وإظهاره في صيغة المفاعلة ، فقال مبيناً لأن المراد من الجملة السابقة التهديد : ( جادلتم عنهم ( في هذه الواقعة أو غيرها ) في الحياة الدنيا ) أي بما جعل لكم من الأسباب .
ولما حذرهم وبخهم على قلة فطنتهم وزيادة في التحذير بأن مجادلتهم هذه سبب لوقوع الحكومة بين يديه سبحانه وتعالى فقال : ( فمن يجادل الله ) أي الذي له الجلال كله ) عنهم ) أي حين تنقطع الأسباب ) يوم القيامة ( ولا يفترق الحال في هذا بين أن تكون ( ها ) من ) هأنتم ( للتنبيه أو بدلاً عن همزة استفهام - على ما تقدم ، فإن معنى الإنكار هنا واضح على كلا الأمرين .
ولما كان من أعظم المحاسن كف الإنسان عما لا علم له به ، عطف على الجملة من أولها من غير تقييد بيوم القيامة منبهاً على قبح المجادلة عنهم بقصور علم الخلائق قوله : ( أم من يكون ) أي فيما يأتي من الزمان ) عليهم وكيلاً ) أي يعلم منهم ما يعلم الله سبحانه وتعالى بأن يحصي أعمالهم فلا يغيب عنه منها شيء ليجادل الله عنهم ، فيثبت لهم ما فارقوه ، وينفي عنهم ما لم يلابسوه ويرعاهم ويحفظهم مما يأتيهم به القدر من الضرر والكدر .

الصفحة 314