كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 2)
صفحة رقم 326
البراهين وسطعت الحجج ، وكان من أعظم مقاصد السورة العدل في الضعفاء من الأيتام وغيرهم في الميراث وغيره ، وكان توريث النساء والأطفال - ذكوراً كانوا أو إناثاً - مما أبته نفوسهم ، وأشربت بغضه قلوبهم ، وكان التفريق في إثبات ما هذا سبيله أنجع ، وإلقاؤه شيئاً فشيئاً في قوالب البلاغة أنفع ؛ وصل بذلك قوله تعالى : ( ويستفتونك ( في جملة حالية من اسم الجلالة التي قبلها ، أي له ما ذكر فلا مساغ للاعتراض عليه والحال أنهم يسألونك طلباً لأن تتفتى عليهم بالجواب في بعض ما أعطى من ملكه لبعض مخلوقاته ) في النساء ( طمعاً في الاستئثار عليهم بالمال وغيره محتجين بأنه لا ينبغي أن يكون المال إلا لمن يحمي الذمار والحال أنهم قد عبدوا من دونه إناثاً ، وجعلوا لهم مما خولهم فيه من الرزق الذي ملكهم له بضعف من الحرث والأنعام نصيباً ، فلا تعجب من حال من كرر الاستفتاء - الذي لا يكون في العرف غالباً إلا فيما فيه اعتراض - في إناث أحياء وأطفال ذكور وأعطاهم المِلك التام المُلك العظيم المِلك بعض ما يريد ، ولم يعترض على نفسه حيث أعطى إناثاً لا حياة لها ولا منفعة مما في يده ، وملكه في الحقيقة لغيره ، ولم يأذن فيه المالك ما لا ينتفع به المعطي .
ولما كان المقام بكثرة الاستفتاء محتاجاً إلى زيادة الاعتناء قال : ( قل الله ( آمراً معبراً بالاسم الأعظم منبهاً على استحضار ما ذكر أول السورة ) يفتيكم ) أي يبين لكم تجدد فيكم تلاوته إلى آخر الدهر سيفاً قاطعاً وحكماً ماضياً جامعاً ) في الكتاب ) أي فيما سبق أول السورة في قوله : ( وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء ( ، وغير ذلك ) في يتامى النساء ) أي في شأن التيامى من هذا الصنف ) الاّتي لا تؤتونهن ) أي بسبب التوقف في ذلك وتكرير الاستفتاء عنه ) ما كتب لهن ) أي ما فرض من الميراث وسائر الحقوق فرضاً وهو في غاية اللزوم ) وترغبون أن ) أي في أن أو عن أن ) تنحوهن ( لجمالهن أو لدمامتهن ) و ( يفتيكم في ) المستضعفين ) أي الموجود ضعفهم والمطلوب إضعافهم ، يمنعهم حقوقهم ) من الولدان ( ولما كان التقدير ؛ في أن تقوموا لهم بالقسط ، أي في ميراثهم وسائر حقوقهم ولا تحقروهم لصغرهم ؛ عطف عليه قوله : ( وأن تقوموا ) أي تفعلوا فيه من القوة والمبادرة فعل القائم المنشط ) لليتامى ( من الذكور والإناث ) بالقسط ) أي بالعدل من الميراث وغيره .
ولما كان التقدير : فما تفعلوا في ذلك من شر فإن الله كان به عليماً وعليكم قديراً ؛ عطف عليه قوله ترغيباً : ( وما تفعلوا من خير ) أي في ذلك أو في غيره ) فإن