كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 2)

صفحة رقم 339
ليسوا قادرين على خدعه بوجه ) وإذا ) أي يخادعونه والحال أنهم قد فضحوا أنفسهم بما أظهر مكرهم للمستبصرين وهو أنهم إذا ) قاموا إلى الصلاة ) أي المكتوبة ) قاموا كسالى ( متقاعسين متثاقلين عادة ، لا ينفكون عنها ، بحيث يعرف ذلك منهم كل من تأملهم ، لأنهم يرون أناه تعب من غير أرب ، فالداعي إلى تركها - وهو الراحة - أقوى م الداعي إلى فعلها وهو خوف الناس ؛ ثم استأن في جواب من كأنه قال : ما لهم يفعلون ذلك ؟ فقال : ( يرآءون الناس ) أي يفعلون ذلك ليراهم الناس ، ليس إلا ليظنوهم مؤمنين ، ويريهم الناس لأجل ذلك ما يسرهم من عدهم في عداد المؤمنين لما يرون هم المؤمنين حين يصلون ) ولا يذكرون الله ) أي الذي له جميع صفات الكمال في الصلاة وغيرها ) إلا قليلاً ) أي حيث يتعين ذلك طريقاً لمخادعتهم ، يفعلون ذلك حال كونهم ) مذبذبين ) أي مضطربين كما يضطرب الشيء الخفيف المعلق في الهواء ، وحقيقة : الذي يذب عن كلا الجانبين ذباً عظيماً .
ولما كان ما تقدم يدل على إيمانهم تارة وكفرهم أخرى قال : ( بين ذلك ) أي الإيمان والكفر ؛ ولما كان الإيمان بدل على أهله والكفر كذلك قال : ( لا إلى ) أي لا يجدون سبيلاً مفر إلى ) هؤلاء ) أي المؤمنين ) ولا إلى هؤلاء ) أي الكافرين ؛ ولما كان التقدير لأن الله أضلهم ، بنى عليه قوله : ( ومن يضلل الله ) أي الشامل القدرة الكامل العلم ) فلن تجد ) أي أصلاً ) له سبيلاً ) أي طريقا إلى شيء يريده .
ولما انقضى ما أراد من الإنكار على من ادعى الإيمان في اتخاذ الكافرين أولياء ، المستلزم للنهي عن ذلك الاتخاذ ، صرح به مخاطباً للمؤمنين فقال : ( ياأيها الذين ءامنوا ) أي أقروا بالإيمان بأسلنتهم صدقاً أو كذباً ) لا تتخذوا ) أي تكلفوا أنفسكم غير ما تدعوا إليه الفطرة الأولى السليمة فتأخذوا ) الكافرين ) أي المجاهرين بالكفر الغريقين فيه ) أولياء ) أي أقرباء ، تفعلون معهم من الود والنصرة ما يفعل القريب مع قريبه .
ولما كان الغريق في الإيمان أعلى الناس ، وكان تحت رتبته رتب متكاثره ، نبه على ذلك وعلى دناءة مقصدهم بالجار فقال : ( من دون المؤمنين ) أي الغريقين في الإيمان ، وهذا إشارة إلى أنه لا يصح لمن يواليهم دعوى الإيمان ، ولذلك قال منكراً : ( أتريدون ) أي بموالاتهم ) أن تجعلوا لله ) أي الذي لا تطاق سطوته لأن له الكمال كله ) عليكم ) أي في النسبة إلى النفاق ) سلطاناً ) أي دليلاً اضحاً على كفركم باتباعكم غير سبيل المؤمنين ) ميبناً ( واضحاً مسوِّغاً لعقابكم وخزيكم وجعلكم في زمرة المنافقين .

الصفحة 339