كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 2)
صفحة رقم 345
ولما كانت هذه من أعظم شبههم التي أضلوا بها من أراد الله ، وذلك أنهم رأوا أن هذا الكتاب المبين أعظم المعجزات ، وأن العرب لم يمكنهم الطعن فيه على وجه يمكن قبوله ، فوجههو مكايدهم نحوه بهذه الشبهة ونحوها ، زيفها سبحانه وتعالى أتم تزييف ، وفضحهم بسببها غاية الفضيحة ، وزاد سبحانه في تبكيتهم بقوله : ( أهل الكتاب ( إشارة إلى أن العالم ينبغي له أن يكون أبعد الناس من التمويه فضلاً عن الكذب الصريح ) أن تنزل عليهم ) أي خاصاً بهم بإثبات أسمائهم ) كتاباً من السماء ( ؛ وأما أوهموا به في قولهم هذا من أن موسى عليه الصلاة والسلام أتى بالتوراة جملة كذبة تلقفها منهم من أراد الله تعالى من أهل الإسلام ، ظناً منهم أن الله تبارك وتعالى أقرهم عليها وليس كذلك - كما يفهمه السياق كله ، ويأتي ما هو كالصريح فيه في قوله : ( إنا أوحينا إليك ( - الآية كما سيأتي بيانه ، واليهود الآن معترفون بأنها لم تنزل جملة ، وقال الكلبي في قصة البقرة التي ذبحوها لأجل القتيل الذي تداروا فيه : وذلك قبل نزول القسامة في التوراة .
ولما كان هذا مما يستعظمه النبي ( صلى الله عليه وسلم ) أشار إلى ذلك مبيناً تسلية له ( صلى الله عليه وسلم ) أن عادتهم التعنت ، وديدنهم الكفر وأنهم أغرق الناس في غلظ الأكباد وجلافة الطبائع ، وأن أوائلهم تعنتوا على من يدعون الإيمان به الآن ، وأنهم على شريعته ، وأحب شيء فيه ما أراهم من تلك الآيات العظام التي منها استنقاذهم من العيودية بل من الذبح وأن ذلك تكرر منهم مع ما يشاهدونه من القوارع والعفو فقال : ( فقد ) أي إن تستعظم ذلك فق ) سألوا ) أي آباؤهم ، أي وهم على نهجهم في التعنت فهم شركاؤهم ) موسى ( لغير داع سوى التعنت ) أكبر ) أي أعظم ) من ذلك ) أي الأمر العظيم الذي واجهوك به بعد ما ظهرت من المعجزات ما أوجبنا على كل من علمها الإيمان بك والتأديب معك ، ثم بينه بقوله : ( فقالوا أرنا الله ) أي عياناً من غير ستر ولا حجاب ولا نوع من خفاء بل تحيط به أبصارنا كما يحيط السمع بالقول الجهر ، وهذا يدل على أن كلاً من السؤالين ممنوع لكونه ظلماً ، لأدائه إلى الاستخفاف بما نقدمه من المعجزان ، وعده غير كاف مع أن إنزا الكتاب جملة غير مناسب للحكمة التي بنيت عليها هذه الدار من ربط المسببات بالأسباب وبنائها عليها ، لأن من المعلوم أن تفريق الأوامر سبب لخفة حملها ، وذلك أدعى لامتثالها وايسر لحفظها وأعون على فهمها ، وأعظم تثبيتاً للمنزل عليه وأشرح لصدره وأقوى لقلبه وأبعث لشوقه ، والرؤية على هذا الوجه الذي طلبوه - وهو الإحاطة - محال فسؤالهم لذلك استخفاف مع أنه تعنت ، ولذلك سبب عن سؤالهم قوله :