كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 2)

صفحة رقم 349
الصلاة والسلام لأنه أعظم ما نقضوا فيه وأخص من مطلق النقض ) وقتلهم الأنيباء ( وهو أعظم من مطلق كفرهم ، لأن ذلك سد لباب الإيمان عنهم وعن غيرهم ، لأن الأنبياء سبب الإيمان وفي محو السبب محو المسبب .
ولما كان الأنيباء معصومين من كل نقيصة ، ومبرئين من كل دنية ، لا يتوجه عليهم حق لا يؤدونه ؛ قال : ( بغير حق ) أي كبير ولا صغير أصلاً .
وهذا الحرف - لكونه في سياق طعنهم في القرآن الذي هو أعظم الآيات - وقع التعبير فيه أبلغ مما في آل عمران الذي هو أبلغ مما سبق عليه ، لأن هذا مع جمع الكثرة وتنكير الحق عبر فيه بالمصدر المفهم لأن الاجتراء على القتل صار لهم خلقاً وصفة راسخة ، بخلاف ما مضى ، فإنه بالمضارع الذي ربما دل على العروض ؛ ثم ذكر أعظم من ذلك كله وهو إسنادهم عظائمهم إلى الله تعالى فقال : ( وقولهم قلوبنا غلف ) أي لا ذنب لنا لأن قلوبنا خلقت من أصل الفهم بعيدةً عن فهم مثل ما يقول الأنبياء ، لكونهم في أغشية ، فهي شديدة الصلابة ، وذلك سبب قتلهم ورد قولهم ، وهذا بعد أن كانوا يقرون بهذا النبي الكريم ، ويشهدون له بالرسالة وبأنه خاتم الأنبياء ، ويصفون بأشهر صفاته ، ويترقبون إتبانه ، لا جرم رد الله عليهم بقوله عطفاً على ما تقديره : وقد كذروا لأنهم ولدوا على الفطرة كسائر الولدان ، فلم تكن قلوبهم في الأصل غلفاً : ( بل طبع الله ) أي الذي له معاقد العز ومجامع العظمة ) عليها ( طبعاً عارضاً ) بكفرهم ( بل إنه خلقها أولاً على الفطرة متكنة من اختيار الخير والشر ، فلما أعرضوا بما هيأ قلوبهم له من قبول النقض - عن الخير ، واختاروا الشر باتباع شهواتهم الناشئة من نفوسهم ، وترك ما تدعو إليه عقولهم ، طبع سبحانه وتعالى عليها .
فجعلها قاسية محجوبة عن رحمته ، ولذا سبب عنه قوله : ( فلا تؤمنون ) أي يجددون الإيمان في وقت من الأوقات الآتية ، ويجوز أن يتعلق بما تقديره تتمة لكلامهم : طبع الله عليها فهي لا تعي ، وتكون ( بل ) استدراكاً للطبع بالكفر وحده ، لأنه ربما انضم إليه ، وأن يكون أضرب عن قولهم : إنها في غلف ، لكون ما في الغلاف قد يكون مهيئاً لإخراجه من الغلاف إلى الطبع الذي من شأنه الدوام ) إلا قليلاً ( من الإيمان بأن يؤمنوا وقتاً يسيراً كوجه النهار ويكفروا في غيره ، ويؤمنوا ببعض ويكفروا ببعض ، أو إلا إناساً قليلاً منهم - كما كان أسلافهم يؤمنون بما يأتي به موسى عليه الصلاة والسلام من الآيات ، ثم لم يكن بأسرع من كفرهم وتعنتهم بطلب آية أخرى كما هو مذكور في توراتهم التي بين أظهرهم ، ونقلت كثيراً منه في هذا الكتاب ، فقامت الحجة عليهم بأنهم يفرقون بين قدرتهم على الإيمان وقدرتهم على الطيران .

الصفحة 349