كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 2)
صفحة رقم 370
تتوقفون عن الإيمان ببعض الأنبياء تثبتاً لتعلموا أنه فعل به ما فعل بموسى عليه الصلاة والسلام من الكرامة ، لم تؤمنوا بإبراهيم وإسحاق ويعقوب والأسباط وهارون وغيرهم ، فإنه خص بالتكليم دونهم ، فلِمَ جعلتم الإتيان بمثل ما أتى به موسى عليه الصلاة والسلام شرطاً في الإيمان ببعض الأنيباء دون بعض ؟ وإن جعلتم الشرط الإتيان بالكتاب جملة ومن السماء مدعين أنه كان له ذلك دون التكليم وغيره مما جعل له ، كان ذلك .
على تقدير التسليم تنزلاً - تحكماً وترجيحاً من غير مرجح ، على أن التوراة أيضاً - كما تقدم بيانه - كهذا القرآن في إنزالها منجمة على حسب الوقائع على ما أشار إليه قوله ( تكليماً ) ولم يكتب منها جملة إلا اللوحان اللذان وضعا في تابوت الشهادة كما أنزل بعض سور القرآن جملة كسورة الأنعام ، وليس في نزول موسى عليه الصلاة والسلام بهما من جبل الطور مكتوبَين دليل على نزولهما من السماءن ويدل على ذلك كثير من نصوصها اصرحها أنه تعالى حرم عليهم العمل في السبت عقب إخراجهم من البحر عند إنزال المن - كما بين في السفر الثاني منهما - ولم يبين كيف يفعل بالعاصي فيه إلا بعد ذلك بدهر ، بدليل ما في السفر الرابع منها في قصة التبيه : ومكث بنو إسرائيل في البرية ووجدوا رجلاً يحتطب حطباً يوم السبت ، فقدمه الذين وجدوه يحتطب إلى موسى وهارون وإلى الجماعة كلها ، وحبسوه في السجن ، لأنه لم يكن أوحى إلى موسى كيف يصنع به ؟ فقال الرب لموسى : يقتل هذا الرجل ، يرجم بالحجارة خارجاً من العسكر ، ورجمه الجماعة كلها بالحجارة ومات - كما أمر الرب موسى ؛ ومنها أنه أمرهم - كما بين في السفر الثاني - بنصب قبة الزمان التي كانوايصلون إليها ، ويسمع موسى الكلام منها ، ثم بعد ذلك بمدة أمرهم - كما بين في السفر الرابع - بالزيادة فيها ؛ ومنها أنه كتب له الألواح في الطور : اللوحين اللذين كسرهما غضباً من اتخاذهم العجل ، ثم لوحين عوضاً عنهما ، ثم لما نصبت قبة الزمان صار سبحانه وتعالى يكلمه منها ، وغالب أحكامهم إنما شرعت بالكلام الذي كان في قبة الزمان - كما هو في غاية الوضوح في التوراة ؛ ومنها ما قال في أوخر السفر الخامس وهو آخرها : فلما أكمل موسى كتاب آيات هذه التوراة في السفر وفرغ منها ، أمر موسى الأحبار الذين يحملون تابوت عهد الرب وقال لهم : خذوا سفر هذه السنن واجعلوه في جوف تابوت عهد الهل ربكم في جانب من جوانبه ، ليكون هناك شاهداً ، لأني قد عرفت جفاءكم وقساوة قلوبكم وما تصيرون إليه ، وكيف لا يكون ذلك وقد أغضبتم الرب وأنا حي معكم ؟ فمن بعد موتي أحرى أن تفعلوا ذلك ، فليجتمع إليّ أشياخ أسباطكم وكتّابكم فأتلو عليهم هذه الأقوال ، ولأشهد عليهم السماء والأرض ، لأنكم مفسدون من بعد وفاتي ، تحيدون عن الطريق