كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 2)

صفحة رقم 404
الأكبر أتبعه الأصغر فقال ) أو جاء أحد منكم ( وهو غير جنب ) من الغائط ) أي الموضع المطمئن من الأرض وهو أي مكان التخلي ، أي قضيتم حاجة الإنسان التي لا بد له منها ، وينزه الكتاب عن التصريح بها لأنها من النقائص المذكِّرة له بشديد عجزه وعظيم ضرورته وفقره ليكف من إعجابه وكبره وترفعه وفجره .
كما ورد أن بعض الأمراء لقي بعض البله في طريق فلم يفسح ، فغضب وقال : كأنك ما تعرفني ؟ فقال بلى والله إني لأعرفك ، أولك نطفة مذرة وآخرك جيفة قذرة ، وأنت فيما بين ذلك تحمل العذرة .
ولما ذكر ما يخص الأصغر ذكر ما يعم الأكبر فقال : ( أو لمستم النساء ) أي بالذكر أو غيره أمنيتم أولا ) فلم تجدوا ماء ) أي حساً أو معنى بالعجز عن استعماله للمرض بجرح أو غيره ) فتيمموا ) أي اقصدوا قصداً متعمداً ) صعيداً ) أي تراباً ) طيباً ) أي طهوراً خالصاً ) فامسحوا ( ولما كان التراب لكثافته لا يصل إلى ما يصل إليه الماء بلطافته ، قصَّر الفعل وعدَّاه بالحرف إشارة إلى الاكتفاء بمرة والعفو عن المبالغة ، وبينت السنة أن المراد جميع العضو ، فقال : ( بوجوهكم وأيديكم منه ) أي حال النية التي هي القصد الذي هو التيمم ، ثم أشار لهم إلى حكمته سبحانه في هذه الرخصة فقال مستأنفاً : ( ما يريد الله ) أي الغنى الغنى المطلق ) ليجعل عليكم ( وأغرق في النفي بقوله : ( من حرج ) أي ضيق علماً منه بضعفكم ، فسهل عليكم ما كان عسرة على من كان قبلكم ، وإكراماً لكم لأجل نبيكم ( صلى الله عليه وسلم ) ، فلم يأمركم إلا بما يسهل عليكم ليقل عاصيكم ) ولكن يريد ليطهركم ) أي ظاهراً وباطناً بالماء والتراب وامتثال الأمر على ما شرعه سبحانه ، عقلتم معناه أو لا ، مع تسهيل الأوامر والنواهي لكيلا يوقعكم التشديد في المعصية التي هي رجس الباطن ) وليتم نعمته ) أي في التخفيف في العزائم ثم في الرخص ، وفي وعدكم بالأجور على ما شرع لكم من الأفعال ) عليكم ( لأجل تسهيلها ، ليكون فعلكم لها واستحقاقكم لما رتب عليها من الأجر مقطوعاً به ، إلا لمن لج طبعه في العوج ، وتمادى في الغواية والجهل والبطر ) لعلكم تشكرون ) أي وفعل ذلك كله .
هذا التسهيل وغيره ليكون حالكم لما سهل عليكم حال من يرجى صرفه لنعم ربه عليه في طاعته المسهلة له المحببة إليه ، روى البخاري في التفسير وغيره عن عائشة رضي الله عنها قالت :

الصفحة 404