كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 2)

صفحة رقم 407
راسخة ، عبر بالكون فقال تعالى : ( كونوا قوّامين ( اي مجتهدين في القيام على النساء اللاتي أخذتموهن بعهد الله ، واستحللتم فروجهن بكلمة الله ، وعلى غيرهن في الصلاة وغيرها من جميع الطاعات التي عاهدتم على الوفاء بها .
ولما كان مبنى السورة على الوفاء بالعهد الوثيق ، وكان الوفاء بذلك إنما يخف على النفوس ، ويصح النشاط فيه ، ويعظم العزم عليه بالتذكير بجلالة موثقة وعدم انتهاك حرمته ، لأن المعاهد إنما يكون باسمه ولحفظ وحده ورسمه ، قدم قوله : ( لله ) أي الذي له الإحاطة بكل شيء .
بخلاف ما مضى في النساء .
ولما كان من جملة المعاقد عليه ليلة العقبة ( ليلة تواثقوا على الإسلام ) أن يقولوا الحق حيث ما كانوا ، لا يخافون في الله لومة لائم ، قال : ( شهداء ) أي متيقظين محضرين أفهامكم غاية الإحضار بحيث لا يسد عنها شيء مما تريدون الشهادة به ) بالقسط ) أي العدل ، وقال الإمام أبو حيان في نهره : إن التي جاءت ي سورة النساء جاءت في معرض الاعتراف على نفسه وعلى الوالدين والأقربين ، فبدأ فيها باقسط الذي هو العدل ولاسواء من غير محاباة نفس ولا والد ولا قرابة ، وهنا جاءت في معرض ترك العداوات والاحن ، فبدىء فيها بالقيام بله إذ كان الأمر بالقيام لله أولاً أردع للمؤمنين ، ثم أردف بالشهادة بالعدل ، فالتي يف معرض المحبة والمحاباة بدىء فيها بما هو آكد وهو القسط ، والتي في معرض العدواة والشنآن ، بدىء فيها بالقيام لله ، فناسب كل معرض ما جيء به إليه ، وأيضاُ فتقدم هناك حديث النشوز والإعراض وقوله
77 ( ) ولن تستطيعوا أن تعدلوا ( ) 7
[ النساء : 129 ] وقوله
77 ( ) فلا جناح عليهما أن يصالحا ( ) 7
[ النساء : 128 ] فناسب ذكر تقديم القسط ، وهنا تأخر ذكر العداوة فناسب أن يجاورها ذكر القسط .
انتهى .
ولما كان أمر بهذا الخبر ، نهى مما يحجب عنه فقال : ( ولا يجرمنكم ) أي يحملنكم ) شنئان قوم ) أي شدة عداوة من لهم قوة على القيام في الأمور من المشركين ، بحيث يخشى من إهمالهم ازدياد قوتهم ) على ألا تعدلوا ) أي أن تتركوا قصد العدل ، وهو يمكن أن يدخل فيه بغض أهل الزوجة الكافرة أو ازدراؤها في شيء من حقوقها لأجل خسة دينها ، فأمروا بالعدل حتى بين هذه المرأة الكافرة وضرّاتها المسلمات ، وإذا كان هذا شأن الأمر به في الكافر فما الظن به في المسلم ؟ ثم استأنف

الصفحة 407