كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 2)
صفحة رقم 411
تقدم من أمر العقة وأمر بني النضير في نقضهم عهدهم وغدرهم ، بما هموا به من قتل النبي ( صلى الله عليه وسلم ) بإلقاء الرحى عليه من سطح البيت الذي أجلسوه إلى جانبه ، بقوله إشارة إلى أن اليهود ما زالوا على النقض قديماً ، تحذيراً للمؤمنين من أن يكونوا مثلهم في النقض لئلا يحل بهم ما حل بهم من الصغار ، وإعلاماً بأن عادته سبحانه في الإلزام بالتكاليف قديمة غير مخصوصة بهم ، بل هي عامة لعباده وقد كلف أهل الكتاب ، تشريفاً لهم بمثل ما كلفهم به ، ورغبهم ورهبهم ليسابقوهم في الطاعة ، فإن الأمر إذا عم هان ، والإنسان إذا سابق اجتهد في أخذ الرهان ، وأكد الخبر بذلك لئلا يظن لشدة انهماكهم في النفس أنه لم يسبق لهم عهد قبل ذلك فقال تعالى : ( ولقد أخذ الله ) أي بما له من جميع الجلال والعظمة والكمال ) ميثاق بني إسرائيل ) أي العهد الموثق بما أخذ عليكم من السمع والطاعة ) وبعثنا ) أي بما لنا من العظمة ) منهم اثني عشر نقيباً ) أي شاهداً ، على كل سبط نقيب يكفلهم بالوفاء بما عليهم من الوفاء به - كما بعثنا منكم ليلة العقبة اثني عشر نقيباً وأخذنا منكم الميثاق على ما أحاله الإسلام - كما قال كعب بن مالك رضي الله عنه في تخلفه عن تبوك : ( ولقد شهدت مع رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ليلة العقبة حين تواثقنا على الإسلام ) وأما تفصيله فمذكور في السير ، والنقيب : الذي ينقب عن أحوال القوم كما قيل : عريف ، لأنه يتعرفها ، ومن ذلك المناقب وهي الفضائل ، لأنها لا تظهر إلا بالتنقيب عنها ) وقال الله ) أي المحيط بكل شيء قدرة وعلماً لبني إسرائيل ، وأكد لتكرر جزعهم وتقلبهم فقال : ( إني معكم ( وهو كناية عن الكفاية لأن القادر إذا كان مع أحد كان كذلك إذا لم يغضبه .
ولما أنهى الترغيب بالمعية استأنف بيان شرط ذلك بقوله مؤكداً لمثل ما مضى : ( لئن اقمتم ) أي أنشأتم ) الصلاة ) أي التي هي صلة ما بين العبد والخالق بجميع شروطها وأركانها ؛ ولما كان المقصود من الإنفاق المؤاساة بالإيتاء قال : ( وآتيتم الزكاة ) أي التي هي بين الحق والخلائق .
ولما كان الخطاب مع من آمن بموسى عليه الصلاة والسلام ، وكانوا في كل قليل يتردعون عن اتباعه أو كمال اتباعه ، وكان سبحانه عالماً بأن ميلهم بعده يكون أكثر ، فرتب في الأزل أنه تواتر إليهم بعده الرسل يحفظونهم عن الزيغ ويقومون منهم الميل قال : ( وآمنتم برسلي ) أي أدمتم الإيمان بموسى عليه السلام ، وجددتم الإيمان بمن يأتي