كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 2)

صفحة رقم 416
لأن الذهب الخالص يكون ليناً ، والمغشوش يكون فيه يبس وصلابة ، وكل لين قابل للصلاح بسهولة ، ثم بين قساوتها بما دل على نقضهم بقوله : ( يحرّفون الكلم ) أي يجدون كل وقت تحريفه ) عن مواضعه ( فإنهم كلما وجدوا شيئاً من كلام الله يشهد بضلالهم حرفوه إلى شهواتهم ، وأولوه التأويل الباطل بأهوائهم ، فهم يحرفون الكلم ومعانيها .
ولما كانوا قد تركوا أصلاً ورأساً ما لا يقدرون لصراحته على تحريفه ، قال معبراً بالماضي إعلاماً بحرمهم بالبراءة من ذلك : ( ونسوا حظاً ) أي نصيباً نافعاً معلياً لهم ) مما ذكروا به ) أي من التوراة على ألسنة أنبيائهم عيسى ومن قبله عليهم السلام ، تركوه ترك الناسي للشيء لقلة مبالاته به بحيث لم يكن لهم رجوع إليه ، وعن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال : قد ينسى المرء بعض العلم بالمعصية وتلا هذه الآية .
ولما ذكر سبحانه ما يفعلونه في حقه في كلامه الذي هو صفته ، أتبعه ما يعم حقه وحق نبيه ( صلى الله عليه وسلم ) على وجه معلم أن الخيانة ديدنهم ، تسلية له ( صلى الله عليه وسلم ) فقال : ( ولا تزال ) أي بما نطلعك عليه يا أكرم الخلق ) تطلع ) أي تظهر ظهوراً بليغاً ) على خائنة ) أي خاينة عظيمة تستحق أن تسمي فاعلها الخؤون لشدتها و ) منهم ) أي في حقك بقصد الأذى ، وفي حق الله تعالى بإخفاء بعض ما شرعه لهم ) إلا قليلاً منهم ( فإنهم يكونون على نهج الاستقامة إما بالإيمان ، وإما بالوفاء وهم متمسكون بالكفر ، ثم سبب عن هذا الذي في حقه ( صلى الله عليه وسلم ) قوله : ( فاعف عنهم ) أي امح ذنبهم ذلك اجترحوه ، وهو دون النقض والتحريف فلا تعاقبهم عليه .
ولما كان العفو لا يمنع المعاتبة قال : ( واصفح ) أي وأعرض عن ذلك أصلاً ورأساً ، فلا تعاتبهم عليه كما لم تعاقبهم ، فإن ذلك إحسان منك ، وإذا أحسنت أحبك الله ) إن الله ) أي الذي له جميع صفات الكمال ) يحب المحسنين ( وذلك - كما روى الشيخان وغيرهما عن عائشة رضي الله عنهما - أن النبي صلى الله سحره رجل من اليهود يقال له لبيد بن الأعصم وفي رواية للبخاري : إنه رجل من بني زريق حليف ليهود وكان منافقاً - حتى كان يخيل إليه أنه يأتي النساء ولا يأتيهن ، وذلك أشد السحر ، ثم إن الله تعالى شفاه وأعلمه أن السحر في بئر ذروان ، فقالت له عائشة رضي الله عنها : أفلا

الصفحة 416