كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 2)

صفحة رقم 418
به ) أي في الإنجيل مما سبق لهم ذكره في التوراة من أوصاف نبيه ( صلى الله عليه وسلم ) وغير ذلك من الحقز ولما أدى ذلك إلى تشعبهم فرقاً ، فأنتج تشاحنهم وتقاطعهم وتدابرهم ، سبب عنه قوله : ( فأغرينا ) أي ألصقنا بعظمتنا إلصاق ما هو بالغراء لا ينفك بل يصير كجزء الشيء ) بينهم ) أي النصارى بعد أن جعلناهم فرقاً مباينين بتفريق الدين ، وكذا بينهم وبين اليهود ) العداوة ( ولما كان العداوة قد تكون عن بغي ونحوه إذا زال زالت أو خفت ، قال معلماً أنها لأمر باطني نشأ من تزيين الهوى ، فهو ثابت غير منفك : ( والبغضاء ( بالأهواء المختلفة ) إلى يوم القيامة ( ولما أخبر بنكدهم في الدنيا ، أعقبه ما لهم في الأخرى فقال : ( وسوف ينبئهم ) أي يخبرهم ) الله ) أي الملك الأعلى المحيط بكل شيء قدرة وعلماً إخباراً بعظيم الشأن بما فيه من عظم التقريع والتوبيخ في الآخرة بوعيد لا خلف فيه ؛ ولما كانت خيانتهم قد صارت لهم فيها ملكات بما لازموا منها حتى ضربوا بها وتدربوا عليها ، حتى صارت لهم أحوالاً لأنفسهم وأخلاقاً لقلوبهم ، سماها صنائع فقال : ( بما كانوا يصنعون ) أي دربوا أنفسهم عليه حتى صار كالصنعة ، فيجازيهم عليه بما يقيم عليهم من الحجة .
المائدة : ( 15 - 16 ) يا أهل الكتاب. .. . .
) يَاأَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَآءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِّمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُواْ عَن كَثِيرٍ قَدْ جَآءَكُمْ مِّنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلاَمِ وَيُخْرِجُهُمْ مِّنِ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ ( ( )
ولما علم بذلك كله أحوال الفريقين ، أقبل عليهم واعظاً منادياً متلطفاً مستعطفاً مرغباً مرهباً فقال : ( ياأهل الكتاب ) أي عامة ) قدجاءكم رسولنا ) أي الذي أسلناه مما لنا من العظمة فليظهرن بذلك على من ناواه ) يبين لكم ) أي يوضح إيضاحاً شافياً ) كثيراً مما كنتم ) أي بما لكم من جبلة الشر والخيانة ) تخفون من الكتاب ) أي العظيم المنزل عليكم ، من صفة محمد ( صلى الله عليه وسلم ) وحكم الزنا وغيرهما ، لإحياء سنة وإماتة بدعة - كما مضى منه ما شاء الله في سورة البقرة ، وذلك دال بلا شبهة على صحة رسالته ) ويعفوا عن كثيراً ) أي فلا يفضحكم بإظهاره امتثالاً لأمرنا له بذلك - كما تقدم أنه إحسان منه ( صلى الله عليه وسلم ) إليكم ، لأنه لا فائدة في إظهاره إلا فضيحتكم .
ولما أخبر عن فصله للخفايا ، وكان التفصيل لا يكون إلا بالنونر ، اقتضى الحال

الصفحة 418