كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 2)
صفحة رقم 421
غريقون في كل من الوصفين - كما يدل عليه العطف بالواو ، ثم شرع ينقض هذه الدعوى نقضاً بعد نقض على تقدير كون البنوة على حقيقتها أو مجازها ، والذي أورثهم هذه الشبهة - إن لم يكونوا قالوا ذلك عناداً - أن في موضع من التوراة عن قول الله تعالى لموسى عليه السلام : شعبي بكري ، وقال في أول نبوة موسى عليه السلام - كما ذكرته في الأعراف : وقل لفرعون : هكذا يقول الرب : ابني بكري إسرائيل أرسل ليعبدني ، فإن أبيت أن ترسل ابني فإني أقتل ابنك بكرك - ونحو هذا ؛ وفي كثير مما بين أيديهم من الإنجيل عن قول عيسى عليه السلام : افعلوا كذا لتكونوا بني أبيكم الذي في السماء - ونحو ذلك ، وقد بينت معناه على تقدير صحته بما يوجب رده إلى المحكم بلا شبهة في أول سورة آل عمران ؛ قال البيضاوي في أول سورة الكهف : إنهم كانوا يطلقون الأب والابن في تلك الأديان بمعنى المؤثر والأثر ، وقال في البقرة في تفسير
77 ( ) بديع السموات ( ) 7
[ البقرة : 117 ] : أنهم كانوا يطلقون الأب على اله باعتبار أنه السب الأصلي ، ثم ظنت الجهلة منهم أن المراد به معنى الولادة ، فلذاك كفر قائله ومنع منه منعاً مطلقاً انتهى .
فأول نقض نقض به سبحانه وتعالى هذه الدعوى بيان أنه يعذبهم فقال : ( قل فلم يعذبكم ) أي إن كنتم جامعين بين كونكم أبناء وأحباء بين عطف النبوة وحنو المحبة ) بذنوبكم ( وعذابهم مذكور في نص توراتهم في غير موطن ومشهور في تواريخهم بجعلهم قردة وخنازير وغير ذلك ، أي فإن كان المراد بالبنوة الحقيقة فابن الإله لا يكون له ذنب فضلاً عن أن يعذب به ، لأن الابن لا يكون إلا من جنس الأب - تعالى الله عن النوعية والجنسية والصاحبة والولد علواً كبيراً وإن كان المراد المجاز ، أي بكونه يكرمكم إكرام الولد والحبيب ، كان ذلك مانعاً من التعذيب .
ولما كان معنى ذلك أن يعذذبكم لأنكم لستم أبناء ولا أبحاء ، عطف عليه نقضاً آخر أوضح من الأول فقال : ( بل أنتم بشر ممن خلق ( وذلك أمر مشاهد ، والمشاهدات من أوضح الدلائل ، فأنتم مساوون لغيركم في البشرية والحدوث ، لا مزية لأحد منكم على غيره في الخلق والبشرية ، وهما يمنعان البنوة ، فإن القديم لا يلد بشراً ، والأب لا يخلق ابنه ، فامتنع بهذين الوصفين البنوة ، وامتنع بتعذيبهم أن يكونوا أحباء الله ؛ فبطل الوصفان اللذان ادعوهما .
ولما كان التقدير : يفعل بكم ما يفعل بسائر خلقه ، وصل به قوله جواباً لمن يقول : وما هو فاعل بمن خلق ؟ : ( يغفر لمن يشاء ) أي من خلقه منكم ومن غيركم فضلاً منه تعالى ) ويعذب من يشاء ( عدلاً كما تشاهدونه يكرم ناساً منكم في هذه الدار ويهين آخرين