كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 2)

صفحة رقم 422
ولما كان التقدير : لأنه مالك لخلقه وملكهم لا اعتراض عليه في شيء من أمره ، عطف عليه قوله نقضاً ثالثاً بما هو أعم مما قبله فقال : ( ولله ) أي الذي له الأمر كله ، فلا كفوء له ) ملك السموات ( وقدمها لشرفها دلالة على ملك غيرها من باب أولى ، وصرح بقوله : ( والأرض وما بينهما ) أي وأنتم مما بينهما ، وقد اجتمع بذلك مع المُلكِ والإبداعِ المِلكُ والتصريف والتصريف التام ، وذلك هو الغنى المطلق ، ومن كان كذلك لم يكن محتاجاً إلى شيء من ولد ولا غيره ، ولا يكون لأحد عليه حق ، ولا يسوغ عليه اعتراض .
ولما كان التقدير : فمنه وحده الابتداء ، عطف عليه قوله : ( وإليه ) أي وحده ) المصير ) أي الصيرورة والرجوع وزمان ذلك ومكانه معنى في الدنيا بأنه لا يخرج شيء عن مراده ، وحساً في الآخرة ، فيحكم بين مصنوعاته على غاية العدل - كما هو مقتضى الحكمة وشأن كل ملك في إقامة ملكه بإ ، صاف بعض عبيده من بعض ، لا يجوز عنده في موجب السياسة إطلاق قويهم على ضعيفهم ، فإن ذلك يؤدي إلى خراب الملك وضعف الملك ، فإذا كان هذا شأن الملوك في العبيد الناقصين فما ظنك بأحكم الحاكمين فإذا عاملهم كلهم بالعدل أسبغ على من يريد ملابس الفضل .
المائدة : ( 19 ) يا أهل الكتاب. .. . .
) يَاأَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَآءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مَّنَ الرُّسُلِ أَن تَقُولُواْ مَا جَآءَنَا مِن بَشِيرٍ وَلاَ نَذِيرٍ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ( ( )
ولما دحضت حجتهم ، ووضحت أكذوبتهم ، اقتضى ذلك الالتفات إلى وعظهم على وجه الامتنان عليهم وإبطال ما عساهم يظنونه حجة ، فقال تعالى : ( يا أهل الكتاب ) أي من الفريقين ؛ ولما كان ما حصل لهم من الضلال بتضييع ما عندهم من البينات وتغييرها ما لا يتوقع معه الإرسال ، قال معبراً بحرف التوقع : ( قد جاءكم رسولنا ) أي الذي عظمته من عظمتنا ، فإعظامه وإجلاله واجب لذلك ، ثم بين حاله مقدماً له على متعلق جاء بياناً لأنه أهم ما إلى الرسل إليهم إرشاداً إلى قبول كل ما جاء به بقوله : ( يبين لكم ) أي يوقع لكم البيان في كل ما ينفعكم بياناً شافياً لما تقدم وغيره .
ولما كان مجيئه ملتبساً ببيانه وظرفاً له غير منفك عنه ، وكان بياناً مستعلياً على وقت مجيئه وما مضى قبله وما يأتي بعده ببقاء كتابه ، محفوظاً لعموم دعوته وختامه وتفرده ، فلا نبي بعده ، قال معلقاً بجاء : ( على فترة ) أي طويلة بالنسبة إلى ما كان يكون بين النبيِّين من بني إسرائيل ، مبتدئة تلك الفترة ) من الرسل ) أي انقطاع من مجيئهم ، شُبِّه فقدهم وبُعْد العهد بهم ونسيان أخبارهمم ، وبلاء رسومهم وآثارهم ،

الصفحة 422