كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 2)

صفحة رقم 428
بينهم الذين نشأوا في التيه لسلامتهم من اعوجاج طباعهم التي ألبستهم إياها بلاد الفراعنة ، فإني كتبتها لبني إسرائيل ، ولم أخبر بتعيينهم - وإن كانوا معينين في علمي - كما اقتضت ذلك حكمتي ؛ وفي هذه القصة أوضح دليل على نقضهم للعهود التي بنيت السورة على طلب الوفاء بها وافتتحت بها ، وصرح بأخذها عليهم في قوله : ( ولقد أخذ الله ميثاق بني إسرائيل ( إلى أن قال :
77 ( ) وآمنتم برسلي وعزرتموهم ( ) 7
[ المائدة : 12 ] وفي ذلك تسلية للنبي ( صلى الله عليه وسلم ) فيما يفعلونه معه ، وتذكير له بالنعمة على قومه بالتوفيق ، وترغيب لمن أطاع منهم وترهيب لمن عصى ، ومات في تلك الأربعين كل من قال ذلك القول أو رضيه حتى النقباء العشرة ، وكان الغمام يظلهم من حر الشمس ، ويكون لهم عمود من نور بالليل يضيء هاهنا عليهم - وغير هذا من النعم ، لأن المنع بالتيه كان تأديباً لهم لا غضباً فإنهم تابوا .
شرحُ هذه القصة ما بين أيديهم من التوراة وذكرُ بعض ما عذبهم فيه بذنوبهم ، قال في السفر الرابع منها : وكلم الرب موسى وقال له : أرسل قوماً يجسون الأرض التي أعطى بني إسرائيل ، فأرسلهم موسى من برية فاران رجالاً من رؤساء بني إسرائيل - اثني عشر رجلاً - فيهم كالاب بن يوفنا وهو ساع بن نون ، ودعا موسى هوساع بن نون يوشع ، وأرسلهم ليستخبروا أرض كنعان وقال لهم : اعرفوا خبر الشعب الذي بها ، أقوي هو أم ضعيف ؟ أكثير هو أم قليل ؟ وما خبر الأرض التي هم فيها ، أمخصبة أم لا ؟ أفيها شجر أم لا ؟ وفي نسخة : وما المدن التي يسكنونها ؟ وإن كانت محوَّطاً عليها أم لا ؟ وتقووا وخذوا من ثمار الأرض ؛ فصعدوا فاستخبروا الأرض ، وأخذوا من برية صين حتى انتهوا إلى راحوب التي في مدخل حمات ، وصعدوا إلى التيمن فأتوا حبران - وفي نسخة : حبرون - وكان بها بنو الجبابرة ، ثم أتوا وادي العنقود وقطعوا قضيباً من الكرم فيه عنقود عنب ، فحمله رجلان بأسطار ، ودعوا اسم ذلك الموضع وادي العنقود من أجل ذلك ، وأخذوا من الرمان والتين أيضاً ، ورجعوا إلى موسى بعد أربعين ليلة إلى برية فاران إلى رقيم ، وأخبروا موسى والجماعة كلها خبر الأرض وقالوا : انطلقنا فإذا الأرض تغل اللبن والعسل وهذه ثمارها ، ولكن الشعب الذي في الأرض عزيز قوي ، وقراهم كبار مشيدة ، ورأينا ثَمّ بني الجبابرة ، ثم ذكر أن الكنعانيين على ساحل البحر إلى نهر الأردن ، قالوا : وكنا عندهم مثل الجراد ، كذلك رأينا أنفسنا ، فضجت الجماعة كلها ورفعوا أصواتهم بالبكاء ، وبكوا في تلك الليلة بكاء شديداً ، وتذمر جميع بني إسرائيل على موسى وهارون في ذلك اليوم وضجوا عليهما ، وقال لهما محافل بني إسرائيل كلها : يا ليتنا متنا بأرض مصر على يدي الرب ، وليتنا متنا في هذه البرية ولا يدخلنا الرب إلى الإرض

الصفحة 428