كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 2)
صفحة رقم 446
ولما وعظه بما يمنعه من قتله ويقبل به على خلاص نفسه ، أعلمه ثانياً أن الخوف من الله مَنَعَه من أن يمانعه عن نفسه مليناً لقلبه بما هو جدير أن يرده عنه خشية أن ترجه الممانعة إلى تعدي الحد المأذون فيه ، لأن أخاه كان عاصياً لا مشركاً ، فقال مؤكداً بالقسم لأن مثل ما يخبر به عظيم لا يكاد يصدق : ( لئن بسطت إليّ ) أي خاصة ) يدك لتقتلني ) أي لتوجد ذلك بأيّ وجه كان ، ثم بالغ في إعلامه بامتناعه من الممانعة فقال : ( ما أنا ( وأغرق في النفي فقال : ( بباسط ) أي أصلاً ، وقدم المفعول به تعميماً ، ثم خص المتعلق لمناسبة الحال فقال : ( يدي إليك لأقتلك ) أي ي أيّ وقت من الأوقات ، ولعله أتى بالجملة الاسمية المفيدة لنفي الثبات والدوام أدباً مع الله في عدم الحكم على المستقبل ، ثم علله بقوله : ( إني أخاف اله ) أي استحضر جميع ما أقدر على استحضاره من كماله ، ثم وصفه بالإحسان إلى خلقه ليكون ذلك مانعاً له من الإساءة إلى أحد منهم فقالك ) رب العالمين ) أي الذي أنعم عليها بنعمة الإيجاد ثم التربية ، فأنا لا أريد أن أخرب ما بنى ، وهذا كما فعل عثمان رضي الله عنه .
ولما كان من النهايات للواصلين إلى حضرات القدس ومواطن الأنس بالله ، المتمكنين في درجة الغناء عن غير الفاعل المختار أن لايراد إلا ما يريد سبحانه ، فإن كان طاعة أراده العبد ورضيه ، وإن كان معصية أراده من حيث إنه مراد الله ولم يرضه لكونه معصية ، فيرضى بالقضاء دون المقضي ، وكأنه من الممكن القريب أن يكون هابيل قد كشف له عن أنه سبق في علم الله أن أخاه يقتله ، قال مرهباً له معللاً بتعليل آخر صاد له أيضاً عن الإقدام على القتل : ( إني أريد ) أي بعدم الممانعة لك ) إن تبوأ ) أي ترجع من قتلي إن قتلتني ) بإثمي ) أي الإثم الذي ينالك من أجل قتلك لي ، وبعقوبته الذي من جملته أنه يطرح عليك من سيئاتي بمقدار ما عليك من حقي إذا لم تجد ما ترضيني به من الحسنات ) وإثمك ) أي الذي لا سبب لي فيه ، وهو الذي كان سبباً لرد قربانك واجترائك عليّ وعدوانك ، وأفوز أنا بأجري وأجرك ، أي أجري الذي لا سبب لك فيه والأجر الذي أثمره استسلامي لك وكفُّ يدي عنك ) فتكون ) أي أنت بسبب ذلك ) من أصحاب النار ) أي الخالدين فيها جزاءً لك لظلمك بوضعك القتل في غير موضعه ، ثم بين أن هذا يعم كل من فعل هذا الفعل فقال : ( وذلك جزاء الظالمين ) أي الراسخين في وصف الظلم كلهم ، وأكون أنا من أصحاب الجنة جزاءً لي بإحساني في إيثار حياتك لإرادة المعصية من حيث كونها معصية بإرادة ظهور الكفار ، لما علم من أن النصر بيد الله ، فهو قادر على نصر الباقي بعد استشهاد الشهيد .