كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 2)
صفحة رقم 448
ولما كانت السوءة واجبة الستر ، وكان الميت يصير بعد موته كله كله سوءة ، قال منبهاً على ذلك وعلى أنها السبب في الدفن بالقصد الأول : ( سوءة ) أي فضيحة ) أخيه ) أي أخي قابيل وهو هابيل المقتول ، وصيغة المفاعلة تفيد أن الجثة تريد أن يكو القاتل وراءها ، والقاتل يريد كون الجثة وراءه ، فيكونان بحيث لا يرى واحد منهما الآخر ، ولعل بعث الغراب إشارة إلى غربة القاتل باستيحاش الناس منه وجعله ما ينفر عنه ويقتله كل من يقدر عليه ، ومن ثَمَّ سمى الغراب البين ، وتشاءم به من يراه .
ولما كان كأنه قيل : إن هذا لعجب ، فما قال ؟ قيل : ( قال ( الكلمة التي تستعمل عند الداهية العظيمة لما نبهه ذلك ، متعجباً متحيراً متلهفاً عالماً أن الغراب أعلم منه وأشفق ، منكراً على نفسه ) ياويلتي ) أي احضُرْني يا ويل هذا أوانك أن لا يكون لي نديم غيرك ؛ ولما تفجع غاية الفجيعة وتأسف كل الأسف ، أنكر على نفسه فقال : ( أعجزت ) أي مع ما جعل لي من القوة القاطعة ) أن أكون ( مع ما لي من الجوارح الصالحة لأعظم من ذلك ) مثل هذا الغراب ( وقوله مسبباً عن ذلك : ( فأوراي سوءة ) أي عورة وفضيحة ) أخي ( نصِبَ عطفاً على أكون لا على جواب الاستفهام ، لأنه إنكاري فمعناه النفي ، لأنه لم تكن وقعت منه مواراة لينكر على نفسه ويوبخها بسببها ، ولو كانت وقعت لم يصح إنكارها على تقدير عدم العجز الذي أفادته الهمزة ) فأصبح ( بسبب قتله ) من النادمين ) أي على ما فعل ، لأنه فقد أخاه وأغضب ربه وأباه ، ولم يفده ذلك ما كان سبب غيظه ، بل زاده بعداً ، وذكر أن آدم عليه السلام لما علم قتله رثاه بشعر ، وعن ابن عباس رضي الله عنهما ردُّ ذلك ، وأن الأنيباء عليهم السلام كلهم في النهي عن الشعر سواء ، وقال صاحب الكشاف : وقد صح أن الأنبياء معصومون من الشعر ، ( ولا تقتل نفس ظلماً إلا كان على ابن آدم هذا كفل من دمها بمن سن ) رواه مسلم وغيره عن عبد الله ، وكذا ( كل من سن سنة سيئة ) ولهذا قال عليه السلام ( إن