كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 2)
صفحة رقم 453
ولما كان ترك هذه الأوصاف الثلاثة : التقوى وطلب الوسيلة والجهاد مزيلاً للوصف الأول وهو الإيمان ، ناسب كل المناسبة تحذيراً من تركها ذكرُ حال الكفار وأنه لا تنفعهم وسيلة في تلك الدار فقال معللاً لما قبله : ( إن الذين كفروا ) أي بترك ما في الآية السابقة ، ورتب الجزاء عن الماضي زيادة في التحذير ) ولو أن لهم ما في الأرض ( وأكد ما أفهمه الكلام من استغراق الظرف والمظروف فقال : ( جميعاً ) أي مما كان يطلب منهم شيء يسير جداً منه ، وهو الإذعان بتصديق الجنان إنفاق الفضل من المال ، وزاد الأمر هولاً بقوله : ( ومثله ( ولما كان لدفع الفداء جملة ما ليس له مفرَّقاً قال ) معه ( ولما كان المقصود تحقير ذلك بالنسبة إلى عظمة يوم التغابن وإن كان عند الكفار الذين جعلوا غاية أمرهم الحياة الدنيا أعظم ما يكون ، والإفهام بأن المراد بالمثل الجنس ليشمل ما عساه أن يفرض من الأمثال ، أعاد الضمير على هذين الشيئين على كثرتهما وعظمتهما مفرداً ، فقال معبراً بالمضارع الدال على تجديد الرغبة في المسألة على سبيل الاستمرار ولأن السياق للمتصفين بالكفر والمحاربة لله ولرسوله ( صلى الله عليه وسلم ) والسعي في الأرض بالفساد ، ولذلك صرح بنفي القبول على الهيئة الآتية : ( ليفتدوا به ) أي يجدوا الافتداء في كل لحظة ، أي بما ذكر ) من عذاب يوم القيامة ( ولما كان المراد تهويل الأمر بردّه ، وكان ذلك يحصل بغير تعيين الرادّ ، قال : ( ما تقبل منهم ( بالبناء للمفعول ، أي على حالة من الحالات وعلى يد من كان ، لأن المدفوع إليه ذلك تام القدرة وله الغنى المطلق .
ولما كان من النفوس ما هو سافل لا ينكّبه الرد ، وكان الرد لأجل إمضاء المُعَدِّ من العذاب ، قال مصرحاً بالمقصود : ( ولهم ) أي بعد ذلك ) عذاب أليم ) أي بالغ الإيجاع بما أوجعوا أولياء الله بسترهم لما أظهروا من شموس البيان ، وانتهكوا من حرمات الملك الديان .
ثم علل شدة إيلامه بدوامه فقال : ( يريدون أن يخرجوا ) أي يكون لهم خروج في وقت ما إذا رفعهم اللهب إلى أن يكاد أن يلقيهم خارجاً ) من النار ( ثم نفى خروجهم على وجه التأكيد الشديد فقال : ( وما هم ( وأغرق في النفي بالجار واسم الفاعل فقال : ( بخارجين منها ) أي ما يثت لهم خروج أصلاً ، ولعله عبر في النفي بالاسمية إشارة إلى أنه يتجدد لهم الخروج من الحرور إلى الزمهرير ، فإن سمى أحد ذلك خروجاً فهو غير مرادهم .
ولما كان المعذبون في دار ربما دام لهم المكث فيها وانقطع عنهم العذاب قال : ( ولهم ) أي خاصة دون عصاة المؤمنين ) عذاب ) أي تارة بالحر وتارة بالبرد وتارة بغيرهما ، دائم الإقامة لا يبرح ولا يتغير ) مقيم (