كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 2)

صفحة رقم 467
الشهادة الذي كانوا يقدمونه أمامهم في الحروب ، فإن كانوا باقين على ما فيه من الميثاق نصروا وإلا خذلوا ، وناسخاً لشريعتهم مجازاة لهم من جنس ما كانوا يعملون من التحريف ، وشاهداً على من أطراه بالضلال فقال : ( وقفينا ( إيلى آخرها ، وكذا كل ما بعدها من آياتهم إلى آخر السورة ، لا تخلوا آية منها نم التعرض إلى نقض دعواهم لها بذكر ذنب ، أو ذكر عقوبة عليه ، أو ذكر تكذيب لهم من كتابهم أو نبيهم ، والمعنى : أوجدنا التقفية ، وهي اتباع شيء بشيء تقدِّمه ، فيكون أتيا في قفاه لكوهه وراءه ، وإلقاؤه في مظهر العظمة لتعظيم شأن عيسى عليه السلام ) على آثارهم ) أي النبيين الذين يحكمون بالتوراة ، وذكر الأثر يدل على أنهم كانوا قد تركوا دينهم ، لم يبق منه إلا رسم خفي ) بعيسى ( ونسبه إلى أمه إشارة إلى أنه لا والد له تكذيباً لليهود ، وإلى أنه عبد مربوب تكذيباً للنصارى ، فقال : ( ابن مريم مصدقاً ) أي عيسى عليه السلام في الأصول وكثير من الفروع و ) لما يبن يديه ) أي مما أتى به موسى عليه السلام قبله ) من التوراة ( وأشار إلى أنه ناسخ لكثير من أحكامها بقوله : ( وآتيناه الإنجيل ) أي أنزلناه بعظمتنا عليه كما أنزلنا التوراة على موسى عليه السلام .
ولما كان في الإنجيل المحكم الذي يفهمه كل أحد ، والمتشابه الذي لا يفهمه إلا الأفراد من خلص العباد ، ولا يقف بَعدَ فهمه عند حدوده إلا المتقون ، قال مبيناً لحاله : ( فيه ) أي آتيناه إياه بحكمتنا وعظمتنا كائناً فيه ) هدى ) أي وهو المحكم ، يهتدي به كل أحد سمعه إلى صراط مستقيم ) ونور ) أي حسن بيان كاشف للمشكلات ، لا يدع بذلك الصراط لبساً .
ولما كان الناسخ للشيء بتغيير حكمه قد يكون مكذباً له ، أعلم أنه ليس كذلك ، بل هو مع النسخ للتوراة مصدق لها فقال - أي مبيناً لحال الإنجيل عطفاً على محل ) فيه هدى ( : ( ومصدقاً ) أي الإنجيل بكماله ) لما بين يديه ( ولما كان الذي نزل قبله كثيراً ، عين المراد بقوله : ( من التوراة ( فالأول صفة لعيسى عليه السلام ، والثاني صفة لكتابه ، بمعنى أنه هو والتوراة والإنجيل متصادقون ، فكل من الكتابين يصدق الآخر وهو يصدقهما ، لم يتخالفوا في شيء ، بل هو متخلق بجميع ما أتى به .
ولما كان المتقون خلاصة الخلق ، فهم الذين يُنزلون كل ما في كتب الله من محكم ومتشابه على ما يتحقق به أنه هدى ويتطابق به المتشابه والمحكم ، وكان قد بين أنه فيه من الهدى ما يسهل به رد المتشابه إليه فصار بعد البيان كله هدى ، قال معمماً بعد ذلك التخصيص : ( وهدى وموعظة للمتقين ) أي كل ما فيه يهتدون به ويتعظون فترق قلوبهم ويعتبرون به وينتقلون مترقين من حال عالية إلى حال أعلى منها .

الصفحة 467