كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 2)

صفحة رقم 477
ما يفيد الجمع وزيادة دلالة على ذلك فقال : ( من الكتاب ) أي الذي جاء به الأنبياء من قبل ) ومهيمناً ) أي شاهداً حفيظاً مصقاً وأميناً رقيباً ) عليه ) أي على كل كتاب تقدمه - كما قاله البخاري في أول الفضائل من الصحيح عن ابن عباس رضي الله عنهما ، وفي هذه الصفة بشارة لحفظه سبحانه لكتابنا حتى لا يزال بصفة الشهادة ، فإن الله تعالى استحفظهم كتبهم فعجزوا عنها ، فحرفها محرفوهم وأسقطوا منها وأسقط مسرفوهم ، فتكفل هو سبحانه بحفظ كتابنا فكان قيماً عليها ، فما كان فيها موافقاً له فهو حق ، وما كان فيها مخالفاً فهو إما منسوخ أو مبدل فلا يعبر ، بل يحكم بما في كتابنا لأنه ناسخ لجميع الكتب ، والآتي به مرسل إلى جميع العالمين ، فملته ناسخة لجميع الملل ، فأنتج هذا وجوب الحكم بما فيه على المؤالف والمخالف بشرطه ؛ فلذا قال مسبباً عما قبله : ( فاحكم بينهم ) أي بين جميع أهل الكتب ، فغيرهم من باب الأولى ) بما أنزل الله ) أي الملك الذي له الأمر كله إليك في هذا الكتاب الناسخ لكتبهم المهيمن عليها في إثبات ما أسقطوه منها من أمرهم باتباعك ونحو ذلك من أوصافك ) ولا تتبع أهواءهم ( فيما خالفه منحرفين ) عما جاءك ( وبينه بقوله : ( من الحق ( ولما كان كل من كتابيهم من عند الله ، كان كأنه قيل : كيف يكون الحكم بكتابهم الذي يصدقه كتابنا انحرافاً عن الحق ؟ علل ذلك دالاً على النسخ بقوله : ( لكل ) أي لكل واحد ) جعلنا ) أي بعظمتنا التي نفعل بها ما نشاء من نسخ وغيره ، ثم خصص الإبهام بقوله : ( منكم ) أي يا أهل الكتب ) شرعة ) أي ديناً موصلاً إلى الحياة الأبدية ، كما أن الشرعة موصلة إلى الماء الذي به الحياة الدنيوية ) ومنهاجاً ) أي طريقاً واضحاً مستنيراً ناسخاً لما قبله ، وقد جعلنا شرعتك ناسخة لجميع الشرائع ، وهذا وأمثاله - مما يدل على أن كل متشرع مختص بشرع وغير متعبد بشرع من قبله - محمول على الفروع ، وما دل على الاجتماع كأنه شرع لكم من الدين محمول على الأصول ) ولو شاء الله ) أي الملك الأعظم المالك المطلق الذي له التصرف التام والأمر الشامل العام أن يجمعكم على شيء واحد ) لجعلكم أمة ) أي جماعة متفقة يؤم بعضها بعضاً ، وحقق المراد بقوله : ( واحدة ) أي على دين واحد ، ولم يجعل شيئاً من الكتب ناسخاً لشيء من الشرائع ، لأن الكل بمشيئته ، ولا مشيئة لأحد سواه إلا بمشيئته ) ولكن ( لم يشأ ذلك ، بل شاء أن تكونوا على شرائع مختلفة ) ليبلوكم ) أي ليعاملكم معاملة المبتلى المختبر ) فيما آتاكم ) أي أعطاكم وقسم بينكم من الشرائع المختلفة ليبرز إلى الوجود ما تعملون في ذلك من اتباع وإذعان اعتقاداً أن ذلك مقتضى الحكمة الإلهية ؛ فترجعون عنه إذا قامت البراهين بالمعجزات على صدق ناسخه ، ونهضت الأدلة البينات على صحة

الصفحة 477