كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 2)

صفحة رقم 480
ولما بين عنادهم وأن عداوتهم لأهل هذا الدين التي حملتهم على هذا الأمر العظيم ليس بعدها عداوة ، نهى من اتسم بالإيمان عن موالاتهم ، لأنه لا يفعلها بعد هذا البيان مؤمن ولا عاقل ، فقال : ( ياأيها الذين آمنوا ) أي أقروا بالإيمان ؛ ولما كان الإنسان لا يوالي غير قومه إلا باجتهاد في مقدمات يعملها وأشياء يتحبب بها إلى أولئك الذين يريد أن يواليهم ، أشار إلى ذلك بصيغة الافتعال فقال : ( لا تتخذوا ) أي إن ذلك لو كان يتأتى بسهولة لما كان ينبغي لكم أن تفعلوه ، فكيف وهو لا يكون إلا ببذل الجهد ) اليهود والنصارى أولياء ) أي أقرباء تفعلون معهم ما يفعل القريب مع قريبه ، وترجون منهم مثل ذلك ، وهم أكثر الناس استخفافاً بكم وازدراء لكم ؛ ثم علل ذلك بقوله : ( بعضهم أولياء بعض ) أي كل فريق منهم يوالي بعضهم بعضاً ، وهم جميعاً متفقون - بجامع الكفر وإن اختلفوا في الدين - على عداوتكم يا أهل هذا الدين الحنيفي ) ومن يتولهم منكم ) أي يعالج فطرته الأولى حتى يعاملهم معاملة الأقرباء ) فإنه منهم ( لأن الله غني عن العالمين ، فمن والى أعداءه تبرأ منه ووكله إليهم ؛ ثم علل ذلك تزهيداً فيهم وترهيباً لمتوليهم بقوله : ( إن الله ) أي الذي له الغنى المطلق والحكمة البالغة ، وكان الأصل : لا يهديهم ، أو لا يهديه ، ولكنه أظهر تعميماً وتعليقاً للحكم بالوصف فقال : الأصل : لا يهديهم ، أو لا يهديه ، ولكنه أظهر تعميماً وتعليقاً للحكم بالوصف فقال : ( لا يهدي القوم الظالمين ) أي الذي يضعون الأشياء في غير مواضعها ، فهم يمشون في الظلام ، فلذلك اختاروا غير دين الله ووالوا من لا تصلح موالاته ، ونم لم يرد الله هدايته لم يقدر أحد أن يهديه ، ونفي الهداية عنهم دليل على أن العبرة في الإيمان القلب ، إذ معناه أن هذا الذي يظهر من الإقرار ممن يواليهم ليس بشيء ، لأن الموالي لهم ظالم بموالاته لهم ، والظالم لا يهديه الله ، فالموالي لهم لا يهديه الله فهو كافر ، وهكذا كل من كان يقول أو يفعل ما يدل دلالة ظاهرة على كفره وإن كان يصرح بالإيمان - والله الهادي ، وهذا تغليظ من الله وتشديد في وجوب مجانبه المخالف في الدين واعتزاله - كما قال ( صلى الله عليه وسلم ) : ( لا تراءى ناراهما ) ومنه قول عمر لأبي موسى رضي الله عنهما حين اتخذ كاتباً نصرانياً : لا تكرموهم إذ أهانهم الله ، ولا تأمنوهم إذ خونهم الله ، ولا تدنوهم إذ أقصاهم الله ، وروي أن أبا موسى رضي الله عنه قال : لا قوام

الصفحة 480