كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 2)
صفحة رقم 483
أي الذي معناه موالاة أولياء الله ومعاداة أعداء الله ، فيوالون أعداءه ويتركون أولياءه ، فيبغضهم الله ويبغضونه ، ويكونون أعزة على المؤمنين أذلة على الكافرين ، فالله غني عنهم ) فسوف يأتي الله ( اي الذي له الغنى المطلق والعظمة البالغة مكانهم وإن طال المدى بوعد صادق لا خلف فيه ) بقوم ) أي يكون حالهم ضد حالهم ، يثبتون على دينهم ، وهم أبو بكر والتابعون له بإحسان - رضي الله عنهم .
ولما كانت محبته أصل كل سعادة قدمها فقال : ( يحبهم ( فيثبتهم عليه ويثيبهم بكرمه أحسن الثواب ) ويحبونه ( فيثبتون عليه ، ثم وصفهم بما يبين ذلك فقال : ( أذلة ( وهو جمع ذليل ؛ ولما كان ذلهم هذا إ ، ما هو الرفق والين الجانب لا الهوان ، كان في الحقيقة عزاً ، فأشار إليه بحرف الاستعلاء مضمناً له معنى الشفقة ، فقال مبيناً أن تواضعهم عن علو منصب وشرف : ( على المؤمنين ) أي لعلمهم أن الله يحبهم ) أعزة على الكافرين ) أي يظهرون الغلظة والشدة عليهم لعلهم أن الله خاذلهم وملهكهم وإن اشتد أمرهم وظهر علوهم وقهرهم ، فالآية من الاحتباك : حذف أولاً البغض وملهكهم وإن لدلالة الحب عليه ، وحذف ثانياً الثبات لدلالة الردة عليه ؛ ثم علل ذلك بقوله : ( يجاهدون ) أي يوقعون الجهاد على الاستمرار لمن يستحقه من غير ملال ولا تكلف كالمنافقين ، وحذف المفعول تعميماً ودل عليه مؤذناً بأن الطاعة محيطة بهم فقال : ( في سبيل الله ) أي طريق الملك الأعظ الواسع المستقيم الواضح ، لا لشيء غير ذلك كالمنافقين .
ولما كان المنافقون يخرجون في الجهاد ، فصلهم منهم بقوله : ( ولا ) أي والحال أنهم لا ) يخافون لومة ) أي واحدة من لوم ) لائم ( وإن كانت عظيمة وكان هو عظيماً ، نهي عن المنكر - كانوا كالمسامير المحماة ، لا يروِّعهم قول قائل ولا اعتراض معترض ، ويفعلون في الجهاد في ذلك جميع ما تصل قدرتهم وتبلغ قوتهم إليه من إنكال الأعداء وإهانتهم ومناصرة الأولياء ومعاضدتهم ، وليسوا كالمنافقين يخافون لومة أوليائهم من اليهود فلا يفعلون وإن كانوا مع المؤمنين شيئاً ينكيهم .
ولما كانت هذه الأوصاف من العلو في رتب المدح بمكان لا يلحق ، قال مشيراً إليها بأداة البعد واسم المذكر : ( ذلك ) أي الذي تقدم من أوصافهم العالية ) فضل الله ) أي الحاوي لكل كمال ) يؤتيه ) أي الله لأنه خالق لجميع أفعال العباد ) من يشاء ) أي فليبذل الإنسان كل الجهد في طاعته لينظر إليه هذا النظر برحمته ) والله ) أي الذي له الإحاطة الكاملة ) واسع ) أي محيط بجميع أوصاف الكمال ، فهو يعطي من سعة ليس