كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 2)

صفحة رقم 488
اللعن والغضب بأمر محسوس فقال : ( وجعل ( ودل على كثرة الملعونين بجمع الضمير فقال : ( منهم ) أي بالمسخ على معاصيهم ) القردة ( تارة ) والخنازير ( أخرى ، والتعريف للجنس ، وقال ابن قتيبة : إن الترعيف يفيد ظن أنهم لم ينقرضوا بل توالدوا حتى كان منهم أعيان ما تعرفه من النوعين ، فما أبعد من كان منهم هذا من أن يكونوا أبناء الله وأحباءه ثم عطف - على قراءة الجماعة - على قوله ) لعنه الله ( سبب ذلك بعد أن قدم المسبب اهتماماً به لصراحته في المقصود ، مع أن اللعن والغضب سبب حقيقي ، والعبادة سبب ظاهري ، فقال : ( وعبد الطاغوت ( وقرأه حمزة بضم الباء على أنه جمع والإضافة عطف على القردة ، فهو - كما قال في القاموس - اللات والعزى والكاهن والشيطان وكل رأس ضلال والأصنام وكل ما عبد من دون الله ومردة أهل الكتاب ، للواحد والجمع ، فلعوت من طغوت ، وكل هذه المعاني تصلح ها هنا ، أما اللات والعزى وغيرهما مما لم يعبدوه صريحاً فلتحسينهم دين أهله حسداً للإسلامن وقد عبدوا الأوثان في كل زمان حتى في زمان موسى عليه السلام كما في نص التوراة : ثم بالغوا في النجوم لاستعمال السحر فشاركوا الصابئين في ذلك .
فمعنى الآية : تنزلنا إلى أ ، نسبتكم لنا إلى الشر صحيحة ، ولكن لم يأت كتاب بلعننا ولا بالغضب علينا ولا مسخنا قردة ولا خنازير ، ولا عبدنا غير الله منذ أقبلنا عليه ، وأنتم قد وقع بكم جميع ذلك ، لا تقدرون أن تتبرؤوا من شيء منه ، فلا يشك عاقل أنكم شر منا وأضل ، والعاقل من إذا دار أمره بين شرين لم يختر إلا أقلهما شراً ، فثبت كالشمس صحة دعوى أنهم قوم لا يعقلون ، ولذلك ختم الآية بقوله ) أولئك ) أي البعداء البغضاء الموصوفون باللعن وما معه ) شر مكاناً ( وإذا كان ذلك لمكانهم فما ظنك بأنفسهم ، فهو كناية عن نسبتهم إلى العراقة في الشر ) وأضل ) أي ممن نسبوهم إلى الشر والضلال ، وسلم لهم ذلك فيهم إرخاء للعنان قصداً للإبلاغ في البيان ) عن سواء ) أي قصد وعدل ) السبيل ) أي الطريق ، ويجوز أن تكون الإشارة في ذلكإلى ما دل عليه الدليل الأول من عدم عقلهم ولا تنزل حينئذ ، وإنما قلت : إنهم لا يقدرون على إنكار شيء من ذلك ، لأن في نص التوراة التي بين أظهرهم في السفر الخامس : فالرب يقول لكم ويأمركم أن تكونوا له شعباً حبيباً ، وتحفظوا جميع وصاياه وتعملوا بها ، فإنه يرفعكم فوق جميع الشعوب ، وإذا جزتم الأردن انصبوا الحجارة التي آمركم بها اليوم على جبل عبل وكلسوها بالكلس ، وابنوا هناك مذبحاً من الحجارة لم يقع عليها حديد ، ولكن ابنوا الحجارة كاملة لم تقطع ، وقربوا عليها ذبائح كاملة أمام الله ربكم ، وكلوا هناك وافرحوا أمام الله ربكم ، واكتبوا على تلك الحجارة جميع آيات هذه السنة .
ثم عين موسى رجالاً يقومون على

الصفحة 488