كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 2)
صفحة رقم 495
) قد خرجوا به ) أي الكفر بعد دخولهم ورؤية ما رأوا من الخير ، دالاً على قوة عنادهم بالجملة الاسمية المفيدة للثبات ، وذكر المسند إليه مرتين ، وهم بما أظهروا يظنون أنه يخفي ما أضمروا .
ولما كان في قلوبهم من الفساد والمكر بالإسلام وأهله ما يطول شرحه ، نبه عليه بقوله : ( والله ) أي المحيط بجميع صفات الكمال وبكل شيء علماً وقدرة ) أعلم ) أي منهم وممن توسم فيهم النفاق ) بما كانوا ) أي بما جبلاتهم من الدواعي العظيمة للفساد ) يكتمون ) أي من هذا وغيره في جميع أحوالهم من أقوالهم وأفعالهم .
ولما كذبهم في دعوى الإيمان ، أقام سبحانه الدليل على كفرهم فقال مخاطباً لمن له الصبر التام ، مفيداً أنه أطلعه ( صلى الله عليه وسلم ) على ما يعلم منهم مما يكتمونه من ذلك تصديقاً لقوله تعالى ) ولتعرفنهم في لحن القول ( إطلاعاً هو كالرؤية ، عاطفاً على ما تقديره : وقد أخبرنا غيرك من المؤمنين بما نعلم منهم من ذلك ، وأما أنت فترى ما في قلوبهم بما آتيناك من الكشف : ( وترى ) أي لا تزال يتجدد لك ذلك ) كثيراً منهم ) أي اليهود والكفار منافقهم ومصارحهم .
ولما كان التعبير بالعجلة لا يصح هنا ، لأنها لا تكون إلا في شيء له وقتان : وقت لائق ، ووقت غير لائق ، والإثم لا يتأتى فيه ذلك ، قال : ( يسارعون ) أي يفعلون في تهالكهم على ذلك فعل من يناظر خصماً في السرعة فيما هو فيه محق وعالم بأنه في غاية الخير ، وكان موضع إفادة لأن كفرهم عن حيلة هي في غاية الرداءة بقوله : ( في الإثم ) أي كل ما يوجب إثماً من الذنوب ، وخص منه أعظمه فقال : ( والعدوان ) أي مجاوزة الحد في ذلك الذي أعظمه الشرك ، ثم حقق الأمر وصوَّره بما يكون لوضوحه دليلاًعلى ما قبله من إقدامهم على الحرام الذي لا تمكن معه صحة القلب أصلاً ، ولا يمكنهم إنكاره فقال : ( وأكلهم السحت ) أي الحرام الذي يستأصل البركة من أصلها فيمحقها ، ومنه الرشوة ، وكان هذا دليلاً على كفرهم لأنهم لون كانوا مؤمنين ما أصروا على شيء من ذلك ، فكيف بجميعه فكيف بالمسارعة فيه ولذلك استحقوا غاية الذم بقوله : ( لبئس ما كانوا ( ولما كانوا يزعمون العلم ، عبر عن فعلهم بالعمل فقال : ( يعملون ( ولما كان المنافقون من الأميين وأهل الكتاب قد صاروا شيئاً واحداً في الانحياز إلى المصارحين من أهل الكتاب ، فأنزل فيهم سبحانه هذه الآيات على وجهيعم غيرهم حتى تبينت أحوالهم وانكشف زيغهم ومحالهم - أنكر - على من يودعونهم أسرارهم