كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 2)
صفحة رقم 497
ولا تبسطها كل البسط ) [ الإسراء : 29 ] ولم يقصد من ذلك غير الجود وضده ، لا غل ولا عنق ولا بسط أصلاً ، بل صار هذا الكلام عبارة عما وقع مجازاً عنه ، كأنهما متعقبان على معنى واحد ، حتى لو جاد الأقطع إلى المنكب لقيل له ذلك ، ومثل هذا كثير في الكتاب والسنة ، منه الاستواء ( وقالت : في السماء ) المراد منه - كما قاله العلماء - أنه ليس مما يعبده المشركون من الأوثان ، قال في الكشاف : ومن لم ينظر في علم البيان عمي عن تبصر محجة الصواب في تأويل امثال هذه الآية ، ولم يتخلص عن يد الطاعن إذا عبثت به .
ولما نطقوا بهذه الكلمة الشنعاء ، وفاهوا بتلك الداهية الدهياء ، أخبر عما جازاهم به سبحانه على صورة ما كان العرب يقابلون به من يستحق الهلاك من الدعاء ، فقال معبراً بالمبني للمفعول إفادة لتحتم الوقوع وتعليماً لنا كيف ندعو عليهم ، ولم يسببه عما قبله بالفاء تقوية له على تقدير سؤال سائل : ( غلت أيديهم ( دعاء مقبولاً وخبراً صادقاً ، عن كل خير ، فلا تكاد تجد فيهم كريماً ولا شجاعاً ولا حاذقاً في فن ، وإن كان ذلك لم تظهر له ثمرة ) ولعنوا ) أي أبعدوا مطرودين عن الجناب الكريم ) بما قالوا ( والمعنى أنهم كما رأوا أحوال المنافقين المقضي في التوراة بأنها إثم وأقروا عليها ، فكذلك نطق بعضهم بكلمة الكفر التي لا أفظع منها ، وسكت عليه الباقون فشاركوه ، ولما كان الغل كناية عن البخل وعدم الإنفاق ، وكان الدعاء بغلهم ولعنهم متضمناً أن الأمر ليس كما قالوا ، ترجمة سبحانه بقوله : ( بل يداه ( وهو منزه عن الجارحة وعن كل ما يدخل تحت الوهم ) مبسوطتان ( مشيراً بالتثنية إلى غاية الجود ، ليكون رد قولهم وإنكاره بأبلغ ما يكون في قطع تعنتهم وتكذيب قولهم .
ولما كان معنى هذا إثبات ما نفوه على أبلغ الأحوال ، قال مصرحاً بالمقصود معرفاً أنه في إنفاقه مختار فلا غرو أن يبسط لبعض دون بعض : ( ينفق ( ولما كان إنفاقه سبحانه تحقيقاً للاختيار على أحوال متباينة بحيث إنها تفوت الحصر ، أشار إلى التعجيب