كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 2)
صفحة رقم 498
من ذلك بالتعبير بأداة الاستفهام وإن قالوا : إنها في هذا الموطن شرط ، فقال : ( كيف ) أي كما ) يشاء ) أي على أي حالة أراد دائماً من تقتير وبسط وغير ذلك .
ولما كان قولهم هذا غاية في العجب لأن كتابهم كافٍ في تقبيحه بل تقبيح ما هو دونه في الفحش ، فكيف وقد انضم إلى ذلك ما أنزل في القرآن من واضح البيان ، قال سبحانه عاطفاً على
77 ( ) وترى كثيراً منهم ( ) 7
[ المائدة : 62 ] مؤكداً لمضمون ما سبق من قوله
77 ( ) ومن يرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئاً ( ) 7
[ المائدة : 41 ] بأنه جعل سبب هذا القول منهم ما أتاهم من الهدى الأكمل في هذا الكتاب المعجز على لسان هذا النبي الذي هم به أعرف منهم بأبنائهم : ( وليزيدن كثيراً منهم ) أي ممن أراد الله فتته ، ثم ذكر فاعل الزيادة فقال : ( ما أنزل إليك ) أي على ما له من النور وما يدعو إيله من الخير ) من ربك ) أي المحسن إليك بكل ما ينفعك دنيا وأخرى ) طغياناً ) أي تجاوزاً عظيماً عن الحد تمتلىء منه الأكوان في كل إثم وشنأ ، وذلك بما جره إليهم داء الحسد ، لأنهم كلما رأوه سبحانه قد زاد إحسانه إليك طعنوا في ذلك الإحسان ، وهو - لما له من الكمال وعلو الشأن - يكون الطعن فيه من أعظم الدليل عليه والبرهان ، فيكون أعدى العدوان ) وكفراً ) أي ستراً لما ظهر لعقولهم من النورن ودعت إليه كتبهم من الخير ، وهذا كما يؤذي الخفاش ضياء الصباح ، وكلما قوي الضياء زاد أذاه ، وفي هذا إياس من توبتهم وتأكيد لعداوتهم وزجر عن موالاتهم ومودتهم ، أي إنهم لا يزدادون بحسن وعظم وجميل تلاوتك عليهم الآيات إلا شقاقاً ما وجدوا قوة ، فإن ضعفوا فنفاقاً .
ولما كان الإخبار باجتماع كلمتهم على شقاوة الكفر ربما أحدث خوفاً من كيدهم ، نفى ذلك بقوله ) وألقينا ) أي بما لنا من العظمة الباهرة ) بينهم ) أي اليهود ) العداوة ( ولما كانت العداوة - وهي أي يعدون بعضهم إلى أذى بعض - ربما زالت بزوال السبب ، أفاد أنها لازمة لا تنفك بقوله : ( والبغضاء ) أي لأمور باطنية وقعت في قلوبهم وقوع الحجر الملقى من علو ) إلى يوم القيامة ( ولما كان ذلك مفيداً لوهنهم ترجمة بقوله : ( كلما أوقدوا ( على سبيل التكرار لأحد من الناس ) ناراً للحرب ) أي باحكام أسبابها وتفتيح جميع أبوابها ) اطفأها ) أي خيّب قصدهم في ذلك ) الله ) أي الذي له جميع صفات الكمال ، فلا تجدهم في بلد من البلاد إلا في الذل وتحت القهر ، وأصل استعارة النار لها أم في كل منهما من