كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 2)
صفحة رقم 50
كثرة أفراد هذا الفريق ) وهم معرضون ( بما سلبوه من ذلك التردد والتكلف ، فصار وصفاً لهم بعد أن كان تعملاً ، ما أنكر منكر حقاً وهو يعلمه إلا سلبه الله تعالى علمه حتى يصير إنكاره له بصورة وبوصف من لم يكن قط علمه - انتهى .
وفي هذا تحذير لهذه الأمة من الوقوع في مثل ذلك ولو بأن يدعى أحدهم من حسن إلى أحسن منه - نبه عليه الحرالي وقال : إذ ليس المقصود حكاية ما مضى فقط ولا ما هو كائن فحسب ، بل خطاب القرآن قائم دائم ماض كلية خطابه في غابر اليوم المحمدي مع من يناسب أحوال من تقدم منهم ، وفي حق المرء مع نفسه في أوقات مختلفة - انتهى .
ثم علل اجتراءهم على الله تعالى فقال : ( ذلك ) أي الإعراض البعيد عن أفعال أهل الكرم المبعد من الله ) بانهم قالوا ( كذباً على الله - كما تقدم بيانه في سورة البقرة ) لن تمسنا النار إلا أياماً ( ولما كان المقام هنا لتناهي اجترائهم على العظائم لاستهانتهم بالعذاب لاستقصارهم لمدته والتصريح بقتل الآمرين بالقسط عامة وبحبوط الأعمال ، وكان جمع القلة قد يستعار للكثرة أكدت إرادتهم حقيقة القلة بجمع آخر للقلة ، فقيل على ما هو الأولى من وصف جمع القلة لما لا يعقل بجمع جبراً له : ( معدودات ( وتطاول الزمان وهم على هذا الباطل حتى آنسوا به واطمأنوا إليه لأنه ما كذب أحد بحق إلا عوقب بتصديقه بباطل ، وما ترك قوم سنة إلا أحيوا بدعة ، على أن كذبهم أيضاً جرهم إلى الاستهانة بعذاب الله الذي لا يستهان بشيء منه ولو قل .
ولما نسبوا ذلك إلى الكتاب فجعلوه ديناً قال : ( وغرَّهم ( قال الحرالي : من الغرور وهو إخفاء الخدعة في صورة النصيحة - انتهى ) في دينهم ما كانوا ) أي بما هيؤوا له وجبلوا عليه ) يفترون ) أي يتعمدون كذبة ، قال الحرالي : فتقابل التعجبيبات في ردهم حق الله سبحانه وتعالى وسكونهم إلى باطلهم - انتهى .
ولما تسبب عن اجترائهم بالكذب على الله أن يسأل عن حالهم معه قال صارفاً القولإلى مظهر العظمة المقتضي للمجازاة والمناقشة : ( فكيف ) أي يكون حالهم ) إذا جمعناهم ) أي وقد رفعنا حجاب العظمة وشهرنا سيف العزة والسطوة .
ولما كان المقصود بالجمع الجزاء قال : ( ليوم ( ووصفُه بقوله : ( لا ريب فيه ( مشعر - كما قال الحرالي - بأنهم ليسوا على طمأنينة في باطلهم بمنزلة الذي لم يكن له أصل كتاب ، فهم في ريبهم يترددون إلى أن يأتي ذلك اليوم. ولما كان الجزاء أمرا متحققا لا بد منه أشار إليه بصيغة الماضي في قوله ك ) ووفيت ( والبناء للمفعول للإفهام بسهولة ذلك عليه وإن كان يفوت الحصر ، وتأنيث الفعل للإشارة إلى دناءة النفوس وضعفها ، وقوله ) كل نفس ( قال الحرالي : الفصل