كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 2)

صفحة رقم 502
بناتكم ، وأخرب منازلكم ، وأفرقكم بين الأمم ، وتخرب قراكم ، فحينئذ تهوى الأرض أسباتها ، وتسبت كل أيام وحشتها ما لم تسبت حيث كنتم فيها عصاة لا تسبتون ، والذين يبقون منكم ألقي في قلوبهم فزعة ، ويطردهم صوت ورقة تحرك ، ويهربون من صوب الورقة كما يهربون من السيف ، ويعنفون بإثمهم ويعاقبون بإثم آبائهم ، ومن بعد ذلك تنكسر قلوبهم الغلف .
ولما كان ما مضى من ذمهم ربما أفهم أنه لكلهم ، قال مستأنفاً جواباً لمن يسأل عن ذلك : ( منهم ) أي أهل الكتاب ) أمة ) أي جماعة هي جديرة بأن تقصد ) مقتصدة ) أي مجتهدة في العدل لا غلو ولا تقصير ، وهم الذين هداهم الله للإسلام بحسن تحريهم واجتهادهم ) وكثير منهم ) أي بني إسرائيل ) سآء ما يعملون ) أي ما أسوأ فعلهم الذي هم فيه مستمرون على تجديده ، ففيه معنى التعجيب ، والتعبيرُ بالعمل لأنهم يزعمون أنه لا يصدر منهم إلا عن علم ، وهم الذين حرفوا الكلم عن مواضعه ، وارتكبوا العظائم في عداوة الله ورسوله .
ولما أتم ذلك سبحانه وعلم منه أن من أريدت سعادته يؤمن ولا بد ، ومن أريدت شقاوته لا يؤمن أصلاً ، ومن أقام ما أنزل عليه سعد ، ومن كفر بشيء منه شقي ، وكان ذلك ربام فتر عن الإبلاغ ، قرن بقوله تعالى
77 ( ) ياأيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر ( ) 7
[ المائدة : 41 ] قولَه حاثاً على الإبلاغ لإسعاد من أريد للسعادة ، وهم الأمة المقتصدة منهم وإن كانوا قليلاً ، وكذا إبلاغ جميع من عداهم : ( ياأيها الرسول ) أي الذي موضوع أمره البلاغ ) بلغ ) أي أوصل إلى من أرسلت إليهم ) وما أنزل إليك ) أي كله ) من ربك ) أي المحسن إليك بإنزاله غير مراقب أحداً ، ولا خائف شيئاً ، لتعلم ما لم تكن تعلم ، ويهدي على يدك من أراد الله هدايته ، فيكون لك مثل أجره .
ولما كان إبلاغ ما يخالف الأهواء من الشدة على النفوس بمكان لا يعلمه إلا ذوو الهمم العالية والأخلاق الزاكية ، كان المقام شديد الاقتضاء لتأكيد الحث على الإبلاغ ، فدل على ذلك بالاعتراض بين الحال والعامل فيها ، بالتعبير بالفعل الدال على داعية هي الردع بأن قال : ( وإن لم تفعل ) أي وإن لم تبلغ جميع ذلك ، أو إن لم تعمل به ) فما بلغت رسالته ( لأن من المعلوم أن ما تقع على كل جزء مما أنزل ، فلو ترك منه حرف واحد صدق نفي البلاغ لما أنزل ، ولأن بعضها ليس بأولى بالإبلاغ من بعض ، فمن إغفل شيئاً منها فكأنه أغفل الكل ، كما أن من لم يؤمن ببعضها لم يؤمن بكلها ، لإدلاء كل منها بما يدليه الآخر ، فكانت لذلك في حكم شيء واحد ، والمعنى : فلنجازينك ، ولكنه كنى بالسبب عن المسبب إجلالاً له ( صلى الله عليه وسلم ) وإفادة لأن المؤاخذة تقع على الكل ، لأنه ينتفي بانتفاء الجزء .

الصفحة 502