كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 2)
صفحة رقم 503
ولما تقدم أنهم يسعرون الحروب ، ويسعون في إيقاع أشد الكروب ، وكان ذلك - وإن وعد سبحانه بإخماده عند إيقاده - لا يمنع من تجويز أنه لا يخمد إلا بعد قتل ناس وجراح آخرين ، وكان كأنه قيل : إذا بلغ ذلك وهو ينقّص أديانهم خيف عليه ، قال : ( والله ) أي بلغ أنت والحال أن الذي أمرك بذلك وهو الملك الأعلى الذي لا كفوء له ) يعصمك ) أي يمنعك منعاً تاماً ) من الناس ) أي من أن يقتلوك قبل إتمام البلاغ وظهور الدين ، فلا مانع من إبلاغ شيء منها لأحد من الناس كائناً من كان .
ولما آذن ضمان العصمة بالمخالفة المؤذنة بأن فيهم من لا ينفعه البلاغغ فهو لا يؤمن ، فلا يزال يبغي الغوائل .
أقر على هذا الفهم بتعليل عدم الإيمان بقوله : ( إن الله ) أي الذي لا أمر لغيره ) لا يهدي القوم الكافرين ) أي المطبوع على قلوبهم في علم الله مطابقة لقوله
77 ( ) ومن يرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئاً ( ) 7
[ المائدة : 41 ] ويهدي المؤمنين في علمه المشار إليهم في قوله ) ويغفر لمن يشاء ( والحاصل أنه تبين من الآية الإرشاد إلى أن لترك البلاغ سببين : أحدهما خوف فوات النفس ، والآخر خوف فوات ثمرة الدعاء ، فنفي الأول بضمان العصمة ، والثاني بختام الآية ، أي ليس لعيك إلاّ البلاغ ، فلا يحزنك من لا يقبل ، فليس إعراضه لقصور في إبلاغك ولا حظك ، بل لقصور إدراكه وحظه لأن الله حتم بكفره وختم على قلبه لما علم من فساد طبعه ، والله لا يهدي مثله ، وتلخيصه : بلغ ، فمن أجابك ممن أشير إليه - فيما سلف من غير الكثير الذين يزيدهم