كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 2)
صفحة رقم 511
حظ لهم في تصديق مخالف لأهوتيهم ) وحسبوا ) أي لقلة عقولهم مع مباشرتهم لهذه العظائم التي ليس بعدها شيء ) ألاّ تكون ) أي توجد ) فتنة ) أي أنه لا يصيبهم بها عذاب في الدنيا ولا خزي في الأخرى ، بل استحقوا بأمرها ، فلا تعجب أنت من جرأتهم في ادعائهم أنهم أبناء الله وأحباؤه ، وقرىء : تكون - بالرفع تنزيلاً للحسبان منزلة العلم فتكون مخففة من الثقيلة التي للتحقيق ، وبالنصب كان الحسبان على بابه ، وأن ، على بابها خفيفة ناصبه للفعل ، لأن القاعدة - كما ذكر الواحدي - أن الأفعال على ثلاثة أضرب : فعل للثبات والاستقرار كالعلم والتيقن والبيان ، تفع بعده الثقيلة دون الخفيفة ، وفعل للزلزلة والاضطراب كالطمع والخوف والرجاء ، فلا يكون بعده إلا الخفيفة الناصبة للمضارع ، وفعل يقع على وجهين كحسب : تارة تكون بمعنى طمع فتنصب ، وتارة بمعنى علم فترفع ، فإن رفع هنا كان الحسبان بمعنى العلم عندهم لقوة عنادهم ، وإن نصب كان بمعنى الطمع لأنهم عالمون بأن قتلهم لهم خطأ ، فتنزل القراءتان على فريقين - والله أعلم ، وأيضاً فقراءة الرفع تفيد تأكيد حسبانهم المفيد لعدم خوفهم بزيادة عماهم ) فعموا ) أي فتسبب عن إدلالهم إدلال الولد والمحبوب جهلاً منهم وحماقة بظنهم أنهم لا تنالهم فتنة أنهم وُجِد عماهم العمى الذي لا عمى في الحقيقة سواه ، وهو انطماس البصائر
77 ( ) فإنها لا تعمى الابصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور ( ) 7
[ الحج : 46 ] حتى في زمن موسى عليه السلام ) وصموا ) أي بعده وبعده يوشع عليهما السلام ، لا ، الصمم أضر نم العمى ، فصاروا كمن لا يهتدي إلى سبيل اصلاً ، لأنه لا بصر له بعين ولا قلب ولا سمع ) ثم تاب الله ) أي الذي له الإحاطة بصفات الكمال ) عليهم ) أي فرجعوا إلى الحق وتكرر لهم ذلك ) ثم عموا ) أي في زمن المسيح عليه السلام ) وصموا ) أي بعده .
ولما كان الإتيان بالضمير مفهماً لأن ذلك عمهم كلهم ، أعلم سبحانه أن ذلك ليس كذلك بقوله : ( كثير منهم ( إلا أن سوقه للعبارة هذا المساق يدل على أن من لم يكفر منهم كان مزلزلاً غير راسخ القدم في الهدى - والله أعلم ، وربما دل عليه قوله : ( والله ) أي المحيط بكل شيء قدرة وعلماً ) بصير بما يعملون ) أي وإن دق وإن كانوا يظنون أنهم أسسوا عملهم على علم ، وقد مضى في قوله ( من لعنه الله وغضب عليه ) ما يشهد لهذا من عبادتهم بعلا الصنم وغيره من الأصنام مرة بعد مرة .
ولما أخبر تعالى بفساد أعمالهم ، دل على ذلك بقوله مستفتحاً مبيناً من حال النصارى ما بين من حال اليهود ، ومؤكداً لختم آية التبليغ بما ينقض دعواهم في البنوة والمحبة : ( لقد كفر ) أي ستر ما دل عليه النقل وهدى إليه العقل ) الذين قالوا إن الله (