كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 2)
صفحة رقم 512
أي على ما له من نعوت الجلال والجمال ) هو المسيح ( فبين بصيغة فعيل - التي لا مانع من أن تكون للمفعول - بُعْدَه عما ادعوه فيه ، ثم أوضح ذلك بقوله : ( ابن مريم ( أيضاحاً لا خفاء معه .
ولما كانت دعوى الاتحاد الذي هو قول اليعقوبية أشد في الكفر وأنفى للإله من دعوى التثليث الذي هو قول النسطورية والملكية القائلين بالأقانيم ، قدمها وبين تعالى أنهم خالفوا فيها أمر المسيح الذي ادعوا أنه الإله فقال : ( وقال ) أي قالوا هذا الذي كفروا به والحال أنه قال لهم ) المسيح ( ضغطه عليهم ودعاء إلى ما هو الحق ) يابني إسرائيل ) أي الذي كان يتشرف بعبادة الله وتسميته بأنه عبده ) اعبدوا الله ) أي الملك الأعظم الذي كل شيء تحت قهره ، فأمرهم بأداء الحق لأهله مذكراً لهم بعظمته ، ثم ذكرهم بإحسانه وأنه وإياهم في ذلك شرع واحد ، فقال مقدماً لما يتعلق به لأنه أهم لإنكارهم له ) ربي وربكم ( فلم يطيعوا الإله الحق ولا الذي ادعوا إلهاً ، فلا أضل منهم ولا أسفه ، قال أبو حيان في النهر : وهذا الذي ذكره الله تعالى عنه هو مذكور في إنجيلهم يقرؤونه ولا يعملون به ، وهو قول المسيح : يا معشر بني المعمودية - وفي رواية : يا معشر الشعوب - قوموا بنا إلى أبي وأبيكم وإلى إلهي وإلهكم ومخلصي ومخلصكم - انتهى .
وقد أسلفت أنا في آل عمران وغيرها عن الإنجيل كثيراً من شواهد ذلك ، ويأتي في هذه السورة وغيرها كثير منه .
ولما أمرهم بما يفهم منه الإخلاص لله تعالى في العبادة لما ذكر من جلاله وأن ما سواه مربوب ، ولأنه أغنى الأغنياء ، فمن أشرك به شيئاً لم يعتد له بعبادة ، علل ذلك بقوله : ( إنه من يشرك ) أي الآن أو بعد الآن في زمن من الأزمان ) بالله ) أي الذي تفرد بالجلال في عبادة أو فيما هو مختص به من صفة أو فعل ) فقد حرم الله ) أي الذي له الأمر كله فلا أمر لأحد معه ) عليه الجنة ) أي منعه من دخولها منعاً عظيماً متحتماً .
ولما كان المنع من دار السعداء مفهماً لكونه في دار الأشقياء ، صرح به فقال : ( ومأواه ) أي محل سكناه ) النار ( ولما جرت عادة الدنيا بأن من نزل به ضيم يسعى في الخلاص منه بأنصاره وأعوانه ، نفى ذلك سبحانه مظهراً للوصف المقتضي لشقائهم تعليلاً وتعميماً فقال : ( وما للظالمين ) أي لهم لظلمهم ) من أنصار ( لا بفداء ولا بشفاعة ولا مقاهرة بمجاهرة ولا مساترة ، لأن من وضع عمله في غير موضعه فكان ماشياً في الظلام ، لا تمكنه أصلاً مقاومة من هو في أتم ضياء ، وهذا على التهديد على الكفر فلا يصح أن يكون على مطلق المعصية ولو كانت كبيرة ، فبطل قول المعتزلة .
ولما انقضى هذا النقض ، وقدمه لأنه كما مضى أشد ، أتبعه إبطال دعوى التثليث