كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 2)
صفحة رقم 516
رفع واحداً منها فرق ذلك فقد أطراه ، ومن نقصه عنه فقد ازدراه ، فالقصد العلد بين الإفراط والتفريط باعتقاد أن أعظم صفات عيسى عليه السلام الرسالة ، وأكمل صفات أمه الصديقية .
ولما كان المقام مقام البيان عن نزولهما عن رتبة الإلهية ، ذكر أبعد الأوصاف منها فقال : ( كانا يأكلان الطعام ( وخص الأكل لأنه مع كونه ضعفاً لازماً ظاهراً هو أصل الحاجات المعترية للإنسا ، فهو تنبيه على غيره ، ومن الأمر الجلي أن الإله لا ينبغي أن يدنو إلى جنابه عجز أصلاً ، وقد اشتمل قوله تعالى ) وقال المسيح ( وقوله
77 ( ) كانا يأكلان الطعام ( ) 7
[ المائدة : 75 ] على أشرف أحوال الإنسان وأخسها ، فأشرفها عبادة الله ، وأخسها الاشتغال عنها بالأكل الذي هو مبدأ الحاجات .
ولما أوضح ما هو الحق في أمرهما حتى ظهر كالشمس بُعُدهما عما أدعوه فيهما ، أتبعه التعجب من تمام قدرته على إظهار الآيات وعلى الإضلال بعد ذلك البيان فقال : ( انظر كيف نبين لهم الآيات ) أي نوضح إيضاحاً شافياً العلامات التي من شأنها الهداية إلى الحق والمنع من الضلال ؛ ولما كان العمى عن هذا البيان في غاية البعد ، أشار إليه بأداة التراخي فقال : ( ثم انظر أنَّى ) أي كيف ومن أين ؛ ولما كان العجب قبولهم للصرف وتأثرهم به ، لا كونه من صارف معين ، بنى للمفعول قوله : ( يؤفكون ) أي يصرفون عن الحق وبيان الطريق صرفَ من لا نور له أصلاً من أي صارف كان ، فصرفهم في غاية السفول ، وبيان الآيات في غاية العلو ، فبينهما بون عظيم .
ولما نفى عنهما الصلاحية لرتبة الإلهية للذات ، أتبعها نفي ذلك من حيث الصفات ، فقال منكراً مصرحاً بالإعراض عنهم إشارة إلى أنهم ليسوا أهلاً للإقبال عليهم : ( قل ) أي للناصرى أيها الرسول الأعظم ) أتعبدون ( ونبه على أن كل شيء دونه ، وأنهم تخذوهم وسيلة إليه بقوله : ( من دون الله ( ونبه بإثبات الاسم الأعظم على أن له جميع الكمال ، وعبر عما عبدوه بأداة ما لا يعقل تنبيهاً على أنه سبحانه هو الذي أفاض عليه ما رفعه عن ذلك الحيز ، ولو شاء لسلبه عنه فقال : ( ما لا يملك لكم ضراً ) أي من نفسه فتخشوه ) ولا نفعاً ) أي تفرجوه ، ليكون لكم نوع عذر أو شبهة ، ولا هو سميع يسمع كل ما يمكن سمعه بحيث يغيث المضطر إذا استغاث به في أي مكان كان ولا عليم يعلم كل ما يمكن علمه بحيث يعطي على حسب ذلك ، وكل ما يملك من ذلك فبتمليك الله له كما ملككم من ذلك ما شاء .
ولما نفى عنه ما ذكر تصريحاً وتلويحاً ، أثبته لنفسه المقدسة كذلك فقال : ( والله ) أي والحال أن الملك الذي له الأسماء الحسنى والصفات العلى والكمال كله ) هو ( أي