كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 2)
صفحة رقم 523
وبغياً ، فعرف أن من صدق في إيمانه لا يواليهم بقلبه ولا بلسانه ، وأنهم ما اجتمعوا على الموالاة إلا لاجتماعهم في أشدّية العداوة لمن آمن ، فهذه الآية تعليل لما قبلها ، كأنه قيل : هب أنهم لا يؤمنون بالله والنبي ، وذلك لا يقتضي موادة المشركين فلِمَ والوهم حينئذ ؟ فقيل : لأن الفريقين اجتمعوا في أشدية العداوة للذين آمنوا .
ولما أخبر تعالى بأبعد الناس مودة لهم ، أخبر بضدهم فقال : ( ولتجدن أقربهم ) أي الناس ) مودة للذين آمنوا ) أي أوجدوا الإيمان بالقلب واللسان ) الذين قالوا ( وفي التوريك على قولهم إشارة إلى أنهم ما كانوا على حقيقة النصرانية ) إنا نصارى ) أي لقلة اهتمامهم بالدنيا بمجرد قولهم ذلك ولو لم يكونوا عريقين في الدين وإقبالهم على علم الباطن ، ولذلك علله بقوله : ( ذلك بأن منهم قسيسين ) أي مقبلين على العلم ، من القس ، وهو ملامة الشيء وتتبعه ) ورهباناً ) أي في غاية التخلي من الدنيا ؛ ولما كان التخلي منها موجباً للبعد من الحسد ، وهو سبب لمجانبة التكبر قال : ( وأنهم لا يستكبرون ) أي لا يطلبون الرفعة على غيرهم ولا يوجدونها .
ولما كان ذلك علة في الظاهر ومعلولاً في الباطن لرقة القلب قال : ( وإذا سمعوا ) أي أتباع النصرانية ) ما أنزل إلى الرسول ) أي الذي ثبتت رسالته بالمعجز ، فكان من شأنه أن يبلغ ما أنزل إليه للناس ) ترى أعينهم ( ولما كان البكاء سبباً لامتلاء العين بالدمع وكان الامتلاء سبباً للفيض الذي حقيقته السيلان بعد الامتلاء ، عبر بالمسبب عن السبب فقال : ( تفيض من الدمع ( أصله : يفيض دمعها ثم تفيض هي دمعاً ، فهو من أنواع التمييز ، ثم علل الفيض بقوله : ( مما عرفوا من الحق ) أي وليس لهم غرض دنيوي يمنعهم عن قبوله ، ثم بين حالهم في مقالهم بقوله : ( يقولون ربنا ) أي أيها المحسن إلينا ) آمنا ) أي بما سمعنا ) فاكتبنا ( .
ولما كان من شأن الشاهد إحضار القلب وإلقاء السمع والقيام التام بما يتلى عليه ويندب إليه قال : ( مع الشاهدين ) أي أمة محمد ( صلى الله عليه وسلم ) الذين يشهدون على الأمم يوم القيامة ، فإن تقويتنا على ذلك ليست إلا إليك ) وما ) أي ويقولون : ما ، أي أيّ شيء حصل أو يحصل ) لنا ( حال كوننا ) لا نؤمن بالله ) أي الذي لا كفوء له ولا خير إلا منه ) وما ) أي وبما ) جاءنا من الحق ) أي الأمر الثابت الذي مهما عرض على الواقع طابقه الواقع سواء كان حالاً أو ماضياً أو آتياً .
ولما كانوا يهضمون أنفسهم ، عبروا بالطمع الذي لا نظر معه لعمل فقالوا : ( ونطمع أن يدخلنا ربنا ) أي بمجرد إحسانه ، لا بعمل منا ، ولجريهم في هذا المضمار