كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 2)
صفحة رقم 525
كهرقل والمقوقس وهوذة بن علي وغيرهم ، وغايتهم أنهم ضنوا بملكهم ، وأما غير النصارى فإنهم كانوا على غابة الفظاظة ككسرى فإنه مزق كتابه ( صلى الله عليه وسلم ) ولم يجز رسوله بشيء ، وأما اليهود فكانوا جيران الأنصار ومواليهم وأحبابهم ، ومع ذلك فأحوالهم في العداوة غاية ، كما هو واضح في السير ، مبين جداً في شرحي لنظمي للسيرة ، وكان السر في ذلك - مع ما تقدم من باعث الزهد - أنه لما كان عيسى عليه السلام أقرب الأنبياء زمناً من زمن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) كان المنتمون إليه ولو كانوا كفرة أقرب الأمم مودة لاتباع النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ، وإلى ذلك يشير ما رواه الشيخان في الفضائل عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) قال : أنا أولى الناس بعيسى ابن مريم في الدنيا والآخرة ، الأنبياء أولاد علات - وفي رواية : أبناء ، وفي رواية : إخوة لعلات أمهاتهم شتى ودينهم واحد ، وليس بيني وبينه ، وفي رواية : وليس بيني وبين عيسى - نبي .
وفي رواية لمسلم : أنا أولى الناس بعيسى ابن مريم في الأولى والآخرة ، قالوا : كيف يا رسول الله قال : الأنبياء إخوة من علات ، أمهاتهم شتى ودينهم واحد ، فليس بيننا نبي .
المائدة : ( 86 - 87 ) والذين كفروا وكذبوا. .. . .
) وَالَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِآيَاتِنَآ أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ يأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُحَرِّمُواْ طَيِّبَاتِ مَآ أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ( ( )
ولما ذكر سبحانه وتعالى جزاء المطيعين المبادرين إلى الإذعان ترغيباً ، ذكر جزاء من لم يفعل فعلهم ترهيباً فقال : ( والذين كفروا ) أي ستروا ما أوضحته له عقولهم من الدلالة على صحة ما دعتهم إليه الرسل ) وكذبوا ) أي عناداً ) بآياتنا ) أي بالعلامات المضافة لعظمها إلينا ) أولئك ) أي البعداء من الرحمة ) أصحاب الجحيم ) أي الذين لا ينفكون عنها ، لا غيرهم من العصاة المؤمنين وإن كثرت كبائرهم .
ولما مدح سبحانه الرهبان ، وكان ذلك داعياً إلى الترهب ، وكانت الرهبانية حسنة بالذات قبيحة بالعرض ، شريفة في المبدأ دنية في المآل ، فإنها مبنية على الشدة والاجتهاد في الطاعات والتورع عن أكثر المباحات ، والإنسان مبني على الضعف مطبوع على النقائص ، فيدعوه طبعه ويساعده ضعفه إلى عدم الوفاء بما عاقد عليه ، ويسرع بما له من صفة العجلة إليه ، فيقع في الخيانة كما قال تعالى : ( ) فما رعوها حق رعايتها ( ) [ الحديد : 27 ] عقب ذلك بالنهي عنها في هذا الدين والإخبار عنه بأنه بناه على التوسط