كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 2)
صفحة رقم 534
وثلث ) من أوسط ما ( كان عادة لكم أنكم ) تطعمون أهليكم ) أي من أعدله في الجودة والقدر كمية وكيفية ، فهو مد جيد من غالب القوت ، سواء كان من الحنطة أو من التمر أو غيرهما .
ولما بدأ بأقل ما يكفي تخفيفاً ورحمة ، عطف على الإطعام ترقياً قوله : ( أو كسوتهم ) أي بثوب يغطي العورة من قميص أو إزار أو غيرهما مما يطلق عليه اسم الكسوة ) أو تحرير ) أي إعتاق ) رقبة ) أي مؤمنة سليمة عما يخل بالعمل - كما تقدم في كفارة القتل - حملاً لمطلق الكفارات على ذلك المقيد ، ولأن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ما استأذنه أحد في إعتاق رقبة في كفارة إلا اختبر إيمانها ، هذا ما على المكلف على سبيل التخيير من غير تعيين .
والتعيين إليه إذا كان واجداً للثلاثة أو لأحدها ، والإتيان بأحدها مبرئ من العهدة ، لأن كل واحد من الثلاثة بعينه أخص من أحدها على الإبهام ، والإتيان بالخاص يستلزم الإتيان بالعام ) فمن لم يجد ) أي واحداً منها فاضلاً عن قوته وقوت من تلزمه مؤنته ) فصيام ) أي فالكفارة صيام ) ثلاثة أيام ( ولو متفرقة .
ولما تم ذلك .
أكده في النفوس وقرره بقوله : ( ذلك ) أي الأمر العدل الحسن الذي ذكر ) كفارة أيمانكم ) أي المعقدة ) إذا حلفتم ( وأردتم نكثها سواء كان ذلك قبل الحنث أو بعده .
ولما كان التقدير : فافعلوا ما قدرتم عليه منه ، عطف عليه لئلا تمتهن الأيمان لسهولة الكفارة قوله : ( واحفظوا أيمانكم ) أي فلا تحلفوا ما وجدتم إلى ذلك سبيلاً ، ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم ، فإنه سبحانه عظيم ، ومن أكثر الحلف وقع في المحذور ولا بد ، وإذا حلفتم فلا تحنثوا دون تكفير ، ويجوز للمكفر الجمع بين هذه الخصال كلها واستشكل ، وحلُّه بما قال الشيخ سعد الدين التفتازاني في التلويح في بحث أو : والمشهور في الفرق بين التخيير والإباحة أنه يمنتع في التخيير الجمع ولا يمتنع في الإباحة ، لكن الفرق هاهنا أنه لا يجب في الإباحة الإتيان بواحد وفي التخيير يجب ، وحينئذ إن كان الأصل فيه الحظر وثبت الجواز بعارض الأمر - كما إذا قال : بع من عبيدي هذا أو ذاك - يمتنع الجمع ويجب الاقتصار على الواحد .
لأنه المأمور به .
وإن كان الأصل فيه الإباحة ووجب بالأمر واحد - كما في خصال الكفارة - يجوز الجمع بحكم الإباحة الأصلية ، وهذا يسمى التخيير على سبيل الإباحة - انتهى .
ولما اشتملت هذه الآيات من البيان على ما يدهش الإنشان كان كأنه قيل : هل يبين كل ما يحتاج إليه هكذا ؟ فنبه من هذه الغفلة بقوله : ( كذلك ) أي مثل هذا البيان