كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 2)
صفحة رقم 538
ولما كانوا قد سألوا عند نزول الآية عما من شأن الأنفس الصالحة الناظرة للورع المتحرك للسؤال عنه ، وهو من مات منهم وهو يفعلهما ، قال جواباً لذلك السؤال : ( ليس على الذين آمنوا وعملوا ) أي تصديقاً لإيمانهم ) الصالحات جناح ( فبين سبحانه أن هذا السؤال غير وارد لأنهم لم يكونوا منعوا منهما ، وكانوا مؤمنين عاملين للصالحات متقين لما يسخط الرب من المحرمات ، وقد بين ذلك النبي ( صلى الله عليه وسلم ) فيما رواه الإمام أحمد عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : ( حرمت الخمر ثلاث مرات : قدم رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) المدينة وهم يشربون الخمر ويأكلون الميسر ، فسألوا رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) عن ذلك ، فأنزل الله تعالى على نبيه ( صلى الله عليه وسلم )
77 ( ) يسئلونك عن الخمر والميسر ( ) 7
[ البقرة : 219 ] ، فقال الناس : لم يحرم علينا ، إنما قال : إن فيهما إثماً ، وكانوا يشربون الخمر حتى إذا كان يوم من الأيام صلى رجل من المهاجرين المغرب فخلط في قراءته ، فأنزل الله تعالى
77 ( ) يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى ( ) 7
[ النساء : 43 ] فكانوا يشربونها حتى يأتي أحدهم الصلاة وهو مفيق ، فنزلت
77 ( ) يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام ( ) 7
[ المائدة : 90 ] ، فقالوا : انتهينا يا رب وقال الناس : يا رسول الله ناس قتلوا في سبيل الله أو ماتوا على فرشهم كانوا يشربون الخمر ويأكلون الميسر وقد جعله الله رجساً من مل الشيطان فأنزل الله
77 ( ) ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح ( ) 7
[ المائدة : 93 ] ، فقال النبي ( صلى الله عليه وسلم ) : ( لو حرمت عليهم لتركوها كما تركتم ( ولا يضر كونه من رواية أبي معشر وهو ضعيف لأنه موافق لقواعد الدين ، وروى الشيخان عن أنس رضي الله عنه قال : ( كنت ساقي القوم يوم حرمت الخمر في بيت أب يطلحة رضي الله عنه وما شرابهم إلا الفضيخ : البسر والتمر ، وإذا منادٍ ينادي : ألا إن الخمر قد حرمت ، فقال لي أبو طلحة رضي الله عنه : اخرج فاهرقها ، فهرقتها ، فقال بعض القوم : قد قتل فلان وفلان وهي في بطونهم ؟ فأنزل الله تعالى ) ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح ( على أنه لو لم يرد هذا السببُ كانت المناسبة حاصلة ، وذلك أنه تعالى لما أباح الطيب من المأكل وحرم الخبيث من المشرب ، نفى الجناح عمن يأكل ما أذن فيه أو يشرب عدا ما حرمه .
فأتى بعبارة تعم المأكل والمشرب فقال : ( فيما طعموا ) أي مأكلاً كان أو مشرباً ، وشرط ذلك عليهم بالتقوى ليخرج المحرمات فقال : ( إذا ما اتقوا ) أي أوقعوا جميع التقوى التي تطلب منهم فلم يطعموا محرماً .