كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 2)
صفحة رقم 539
ولما بدأ بالتقوى وهي خوف الله الحامل على البعد عن المحرمات ، ذكر أساسها الذي لا تقبل إلا به فقال : ( وآمنوا ( ولما ذكر الإقرار باللسان ، ذكر مصداقه فقال : ( وعملوا ) أي بما أداهم إليه اجتهادهم بالعلم لا اتفاقاً ) الصالحات ثم اتقوا ) أي فاجتنبوا ما جدد عليهم تحريمه ) وآمنوا ) أي بأنه من عند الله ، وأن الله له أن يمحو ما يشاء ويثبت ما يشاء ، وهكذا كلما تكرر تحريم شيء كانوا يلابسونه .
ولما كان قد نفى الجناح أصلاً ورأساً ، شرط الإحسان فقال : ( ثم اتقوا وأحسنوا ) أي لازموا التقوى إلى أن أوصلتهم إلى مقام المراقبة ، وهي الغنى عن رؤية غير الله ، فأفهم ذلك أن من لم يبلغ رتبة الإحسان لا يمتنع أن يكون عليه جناح مع التقوى والإيمان ، يكفر عنه بالبلايا والمصائب حتى ينال ما قدر له مما لم يبلغه عمله من درجات الجنان ، ومما يدل على نفاسة التقوى وعزتها أنه سبحانه لما شرطها في هذا العموم ، حث عليها عند ذكر المأكل بالخصوص - كما مضى فقال ( واتقوا الله الذي أنتم به مؤمنون ) ، وهذا في غاية الحث على التورع في المأكل والمشرب وإشارة إلى أنه لا يوصل إلى مقام الإحسان إلا به - والله الموفق ؛ ولما كان التقدير : فإن الله يحب المتقين المؤمنين ، عطف عليه قوله : ( والله ) أي الذي له صفات الكمال ) يحب المحسنين ( .
ولما ذكر ما حرم من الطعام في كل حال ، وكان الصيد ممن حرم في بعض الأوقات ، وكان من أمثل مطعوماتهم ، وكان قد ذكر لهم بعض أحكامه عقب قوله : ( أحلت لكم بهيمة الأنعام ( ) وأحل لكم الطيبات ( أخذ هنا في ذكر شيء من أحكامه ، وابتدأها - لأنهم خافوا على من مات منهم على شرب الخمر قبل تحريمها بأنه يبتليهم لتمييز الورع منهم من غيره - بالصيد في الحال التي حرمه عليهم فيها كما ابتلى إسرائيل في السبت ، فكان ذلك سبباً لجعلهم قردة ، ومنَّ سبحانه عل الصحابة من هذه الأمة بالعصمة عند بلواهم بياناً لفضلهم على من سواهم ، فقال تعالى منادياً لهم بما يكفّهم ذكره عن المخالفة : ( يا أيها الذين آمنوا ) أي أوقعوا الإيمان ولو على أدنى وجوهه ، فعم بذلك العالي والداني ) ليبلونكم الله ) أي يعاملكم معاملة المختبر في قبولكم تحريم الخمر وغيره المحيط بكل شيء قدرة وعلماً ، وذكر الاسم الأعظم إشارة بالتذكير بما له من الجلال إلى أن له أن يفعل ما يشاء ، وأشار إلى تحقير البلوى تسكيناً للنفوس بقوله : ( بشيء من الصيد ) أي الصيد في البر في الإحرام ، وهو ملتفت إلى قوله :
77 ( ) هل أنبئكم بشر من ذلك مثوبة عند الله ( ) 7
[ المائدة : 60 ] وشارح لما ذكر أول السورة في قوله ) غير محلي الصيد وأنتم حرم ( ، وما ذكر بعد المحرمات من قوله :
77 ( ) فكلوا مما أمسكن عليكم ( ) 7
[ المائدة : 4 ] ، ووصف المبتلى به بوصف هو من أعلام النبوة فقال : ( تناله