كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 2)

صفحة رقم 541
الجناح عقب الوصف بالفسق على أنه علة الإباحة ، ولا معنى لفسقها إلا أذاها ) وأنتم حرم ) أي محرومون أو في الحرم .
ولما كان سبحانه عالماً بأنه لا بد أن يوافق موافق تبعاً لأمره ويخالف مخالف موافقة لمراده ، شرع لمن خالف كفارة تخفيفاً منه على هذه الأمة ورفعاً لما كان على من كان من قبلها من الآصار ، فقال عاطفاً على ما تقديره : فمن انتهى فله عند ربه أجر عظيم : ( ومن قتله منكم متعمداً ) أي قاصداً للصيد ذاكراً للإحرام إن كان محرماً ، والحرم إن كان فيه عالماً بالتحريم .
ولما كان هذا الفعل العمد موجباً للإثم والجزاء ، ومتى اختل وصف منه كان خطأ موجباً للجزاء فقط ، وكان يبحانه قد عفا عن الصحابة رضي الله عنهم العمد الذي كان سبباً لنزول الآية كما في آخرها ، لم يذكره واقتصر على ذكر الجزاء فقال : ( فجزاء ) أي فمكافأة ) مثل ما قتل ) أي أقرب الأشياء به شبهاً في الصورة لا النوع ، ووصف الجزاء بقوله : ( من النعم ( لما قتله عليه ، أي عليه أن يكافئ ما قتله بمثله ، وهو من إضافة المصدر إلى الفاعل ، هذا على قراءة الجماعة بإضافة ( جزاء ) إلى ( مثل ) ، وأما على قراءة الكوفيين ويعقوب بتنوين ( جزاء ) ورفع ( مثل ) فالأمر واضح .
ولما كان كأنه قيل : مبا تعرف المماثلة ؟ قال : ( يحكم به ) أي بالجزاء ؛ ولما كانت وجوه المشابهة بين الصيد وبين النعم كثيرة ، احتاج ذلك إلى زيادة التأمل فقال : ( ذوا عدل منكم ) أي المسلمين ، وعن الشافعي أن الذي له مثل ضربان : ما حكمت فيه الصحابة ، وما لم تحكم فيه ، فما حكمت فيه لا يعدل إلى غيره لأنه قد حكم به عدلان فدخل تحت الآية ، وهم أولى من غيرهم لأنهم شاهدوا التنزيل وحضروا التأويل ؛ وما لم يحكموا به يرجع فيه إلى اجتهاد عدلين ، فينظر إلى الأجناس الثلاثة من الأنعام ، فكل ما كان أقرب شبهاً به يوجبانه ؛ فإن كان القتل خطأ جاز أن يكون الفاعل أحد الحكمين ، وإن كان عمداً فلا ، لأنه يفسق به .
ولما كان هذا المثل يساق إلى مكة المشرفة على وجه الإكرام والنسك رفقاً بمساكينها ، قال مبيناً لحاله من الضمير في ( به ) : ( هدياً ( ولما كان الهدي هو ما تقدم تفسيره ، صرح به فقال : ( بالغ الكعبة ) أي الحرم المنسوب إليها ، وإنما صرح بها زيادة في التعظيم وإعلاماً بأنها هي المقصودة بالذات بالزيارة والعمارة لقيام ما يأتي ذكره ، تذبح الهدي بمكة المشرفة ويتصدق به على مساكين الحرم ، والإضافة لفظية لأن الوصف بشبه ( يبلغ ) فلذا وصف بها النكرة .

الصفحة 541