كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 2)

صفحة رقم 543
ولما أحل ذلك ذكر علته فقال : ( متاعاً لكم ) أي إذا كنتم مسافرين أو مقيمين ) وللسيارة ) أي يتزودونه إلى حيث أرادوا من البر أو البحر ، وفي تحليل صيد البحر حال الابتلاء من النعمة على هذه الأمة ما يبين فضلها على من كان قبلها ممن جعل صيد البحر له محنة يوم الابتلاء - ولله الحمد ، والظاهر أن المراد بصيد البحر الفعل ، لأن ثَمَّ أمرين : الاصطياد والأكل ، والمراد بيان حكمهما ، فكأنه أحل اصطياد حيوان البحر ، وأحل طعام البحر مطلقاً ما اصطادوه وما لم يصطادوه ، سواء كانوا مسافرين أو مقيمين ، وذلك لأنه لما قدَّم تحريم اصطياد ما في البر بقوله
77 ( ) لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم ( ) 7
[ المائدة : 95 ] أتبعه بيان إحلال اصطياد مصيد البحر في حال تحريم ذلك ، ثم أتبعه بيان حرمة مصيد البر بقوله : ( وحرم عليكم صيد البر ) أي اصطياده وأكل ما صيد منه لكم وهو ما لا عيش له إلاّ فيه ، وما يعيش فيه وفي البحر ، فإن صيدَ للحلال حل للمحرم أكله ، فإنه غير منسوب إليه اصطياده بالفعل ولا بالقوة ) ما دمتم حرماً ( لأن مبنى أمره غالباً في الاصطياد والأكل مما صيد على الترف والرفاهية ، وقد تقدم أيضاً حرمة اصطياد مصيد البر وحرمة الأكل مما صيد منه ، وتكرر ذلك بتكرر الإحرام في آية
77 ( ) غير محلي الصيد ( ) 7
[ المائدة : 1 ] وآية
77 ( ) لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم ( ) 7
[ المائدة : 95 ] فلا يعارضه مفهوم
77 ( ) ما دمتم حرماً ( ) 7
[ المائدة : 96 ] وعبر بذلك ليكون نصاً في الحرمة في كل جزء من أجزاء وقت الإحرام إلى تمام التحلل - والله أعلم ، ولا يسقط الجزاء بالخطأ والجهل كسائر محظورات الإحرام .
ولما كان الاصطياد بحشر المصيد إلى حيث يعجز عن الخلاص منه ، وكانت حالة الإحرام أشبه شيء بحالة الحشر في التجرد عن المخيط والإعراض عن الدنيا وتمتعاتها ، ختم الآية بقوله عطفاً على ما تقديره : فلا تأكلوا شيئاً منه في حال إحرامكم : ( واتقوا الله ) أي الذي له الأمر كله في ذلك وفي غيره من الاصطياد وغيره ) الذي إليه تحشرون ( ليكون العرض عليه نصبَ أعينكم فتكونوا مواظبين على طاعته محترزين عن معصيته .
ولما كان الإحرام وتحريم الصيد فيه إنما هو لقصد تعظيم الكعبة ، بين تعالى حكمة ذلك وأنه كما جعل الحرم والإحرام سبباً لأمن الوحش والطير جعله سبباً لأمن الناس وسبباً لحصول السعادة دنيا وأخرى ، فقال مستأنفاً بياناً لحمة المنع في أول السورة من استحلال من يقصدها للزيارة : ( جعل الله ) أي بما له من العظمة وكمال الحكمة ونفوذ الكلمة ) الكعبة ( وعبر عنها بذلك لأنها مأخوذة من الكعب الذي به قيام الإنسان وقوامه ، وبيّنها مادحاً بقوله : ( البيت الحرام ) أي الممنوع من كل جبار دائماً

الصفحة 543