كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 2)

صفحة رقم 553
وعدم الرجوع عنه بعد انكشاف قباحته وبيان شناعته حتى أفنى أكثرهم السيف ووطأتهم الدواهي ، فوطأت أكتافهم وذللت أعناقهم وأكنافهم ، فقال تعالى دالاً على ختام الآية التي قبله من عدم عقلهم : ( وإذا قيل لهم ) أي من أيّ قائل كان ولو أنه ربهم ، بما ثبت من كلامهم بالعجز عنه أنه كلامه ) تعالوا ) أي ارفعوا أنفسكم عن هذا الحضيض السافل ) إلى ما أنزل الله ) أي الذي لا أعظم منه ، وقد ثبت أنه أنزله بعجزكم عنه ) وإلى الرسول ) أي الذي من شأنه لكونه سبحانه أرسله أن يبلغكم ما يحبه لكم ويرضاه ) قالوا حسبنا ) أي يكفينا ) ما وجدنا عليه آباءنا ( .
ولما كانوا عالمين بأنه ليس في آبائهم عالم ، وأنه من تأمل أدنى تأمل عرف أن الجاهل لا يهتدي إلى شيء ، قال منكراً عليهم موبخاً لهم : ( أولو ) أي يكفيهم ذلك إذا قالوا ذلك ولو ) كان آباؤهم لا يعلمون شيئاً ) أي من الأشياء حق علمه لكونهم لم يأخذوه عن الله بطريق من الطرق الواصلة إليه ، ولما كان من لا يعلم قد يشعر بجهله فيتعلم فيهتدي فيصير أهلاً للاقتداء به ، وقد لا يشعر لكونه جهله مركباً فلا يجوز الاقتداء به ، بين أنهم من أهل هذا القسم فقال : ( ولا يهتدون ) أي لا يطلبون الهداية فلا توجد هدايتهم إلى صواب ، لأن من لا يعلم لا صواب له ، لأنه ليس للهدى آلة سوى العلم ، وأدل دليل على عدم هدايتهم أنهم ضيعوا الطيب من أموالهم فاضطرهم ذلك إلى أكل الخبيث من الميتة ، وأغضبوا بذلك خالقهم فدخلوا النار ، فلا أقبح مما يختاره لنفسه المطبوع على الكدر ، ولا أحسن مما يشرعه له رب البشر ، وهذه الآية ناظرة إلى قوله تعالى في سورة النساء ) إن يدعون من دونه إلا إناثاً وإن يدعون إلا شيطاناً مريداً ( إلى قوله :
77 ( ) ولآمرنهم فليبتكن آذان الأنعام ( ) 7
[ النساء : 117 ، 118 ] فالتفت حينئذ إلى قوله : ( رجس من عمل الشيطان ( أيّ التفات .
ولما كان المانع لهم من قبول الهدى كون ذلك تسفيهاً لآبائهم ، فيعود ضرراً عليهم يُسبَّون به على زعمهم ، أعلم الله المؤمنين أن مخالفة الغير في قبول الهدى لا تضرهم أصلاً ، بأن عقب آية الإنكار عليهم في التقيد بآبائهم لمتابعتهم لهم في الكفر بقوله : ( يا ايها الذين آمنوا ) أي عاهدوا ربهم ورسوله على الإيمان ) عليكم أنفسكم ) أي الزموا هدايتها وإصلاحها ؛ ولما كان كأنه قيل : إنا ننسب بآبائنا ، وننسب إليهم ، فربما ضرتنا نسبتنا إليهم عند الله كما جوز أكثم بن الجون الخزاعي أن يضره شبه عمرو ابن لحي به حتى سأل النبي ( صلى الله عليه وسلم ) عن ذلك فقال : ( لا ، إنك مؤمن وهو كافر ) - كما في أوائل السيرة الهشامية عن أبي هريرة رضي الله عنه ، وكان ذلك ربما وقف بأحد منهم عن الإسلام قال : ( لا يضركم من ضل ) أي من المخالفين بكفر أو غيره بنسبتكم إليه

الصفحة 553