كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 2)

صفحة رقم 575
فإذا انتفى انتفى اللساني ، قالك ) ما في نفسي ) أي وإن اجتهدت في إخفائه ، فإنه خلقك ، وما أنا له إلا آلة ووعاء ، فكيف به إن كنت أظهرته .
ولما أثبت له سبحانه ذلك ، نفاه عن نفسه توبيخاً لمن ادعى له الإلهية فقال مشاكلة : ( ولا أعلم ما في نفسك ) أي ما أخفيته عني من الأشياء ؛ ثم علل الأمرين كليهما بقوله : ( إنك أنت ) أي وحدك لا شريك لك ) علام الغيوب ( .
ولما نفى عن نفسه ما يستحق النفي ودل عليه ، أثبت ما قاله لهم على وجه مصرح بنفي غيره ليكون ما نسب إليه من دعوى الإلهية منفياً مرتين : إشارة وعبارة ، فقال معبراً عن الأمر بالقول مطابقة للسؤال ، وفسر بالأمر بياناً لأن كل ما قاله من مباح أو غيره دائر على الأمر من حيث الإعتقاد بمعنى أن المخاطب بما قاله الرسول مأمور بأن يعتقد فيه أنه بتلك المنزلة ، لا يجوز أن يعتقد فيه أنه فوقها ولا دونها ، يعبد الله تعالى بذلك : ( ما قلت لهم ) أي ما أمرتهم بشيء من الأشياء ) إلا ما أمرتني به ( ثم فسره دالاً بشأن المراد بالقول الأمر بالتعبير في تفسيره بحرف التفسير بقوله : ( أن اعبدوا ) أي ما أمرتهم إلا بعبادة ) الله ) أي الذي لم يستجمع نعوت الجلال والجمال أحد غيره ؛ ثم أشار غلى أنه كما يستحق العبادة لذاته يستحقها لنعمه فقال : ( ربي وربكم ) أي أنا وأنتم في عبوديته سواء ، وهذا الحصر يصح أن يكون للقلب على أن دون بمعنى غير ، وللإفراد على أنها بمعنى سفول المنزلة ، وهو من بدائع الأمثلة .
ولما فهم ( صلى الله عليه وسلم ) من هذا السؤال أن أتباعه غلوا في شأنه ، فنزه الله سبحانه وعز شأنه من ذلك وأخبره بما أمر الناس به في حقه سبحانه من الحق ، اعتذر عن نفسه بما يؤكد ما مضى نفياً وإثباتاً فقال : ( وكنت عليهم ) أي خاصة لا على غيرهم .
ولما كان سبحانه قد أرسله شاهداً ، زاد في الطاعة في ذلك إلى أن بلغ جهده كإخوانه من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ، فقال معبراً بصيغة المبالغة : ( شهيداً ) أي بالغ الشهادة ، لا أرى فيهم منكراً إلا اجتهدت في إزالته ) ما دمت فيهم ( وأشار إلى الثناء على الله بقوله : ( فلما توفيتني ) أي رفعتني إلى السماء كامل الذات والمعنى مع بذلهم جهدهم في قتلي ) كنت أنت ) أي وحدك ) الرقيب ) أي الحفيظ القدير ) عليهم ( لا يغيب عليك شيء من أحوالهم ، وقد منعتهم أنت أن يقولوا شيئاً غير ما أمرتهم أنا به من عبادتك بما نصبت لهم من الأدلة وأنزلت عليهم على لساني من البينات ) وأنت على كل شيء ) أي منهم ومن غيرهم حيوان وجماد ) شهيد ) أي مطلع غاية الاطلاع ، لا يغيب عنك شيء منه سواء كان في عالم الغيب أو الشهادة ، فإن كانوا قالوا ذلك فأنت تعلمه دوني ، لأني لما بعدت عنهم في المسافة انقطع علمي عن أحوالهم .

الصفحة 575