كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 2)
صفحة رقم 577
أنالهم إياها ، وقال ابن الزبير بعدما أسلفته عنه : فلما طلب تعالى المؤمنين بالوفاء فيما نقض به غيرهم ، وذكّرهم ببعض ما وقع فيه النقض وما أعقب ذلك فاعله ، وأعلمهم بثمرة التزام التسليم والمتثال ، أراهم جل وتعالى ثمرة الوفاء وعاقبته ، فقال تعالى
77 ( ) وإذ قال الله يا عيسى ابن مريم أنت قلت للناس ( ) 7
[ المائدة : 116 ] إلى قوله - ) هذا يوم ينفع الصادقين ( - إلى آخرها .
فيحصل من جملتها الأمر بالوفاء فيما تقدمها وحالُ من حاد ونقض ، وعاقبة من وفى ، وأنهم الصادقون ، وقد أمرنا أن نكون معهم
77 ( ) يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين ( ) 7
[ التوبة : 119 ] - انتهى .
ولما كان سبحانه قد أمرهم أول السورة بالوفاء شكراً على ما أحل لهم في دنياهم ، ثم أخبر أنه زاد الشاكرين منهم ورقاهم إلى أن أباحهم أجلّ النفائس في أخراهم ، ووصف سبحانه هذا الذي أباحه لهم إلى أن بلغ في وصفه ما لا مزيد عليه ، أخذ يغبطهم به فقال : ( ذلك ) أي الأمر العالي لا غيره ) الفوز العظيم ( .
ولما كان هذا الذي أباحه لهم وأباحهم إياه لا يكون إلا بأسباب لا تسعها العقول ، ولا تكتنه بفروع ولا أصول ، علل إعطاءه إياه وسهولته لديه بقوله مشيراً إلى أن كل ما ادعيت فيه الإلهية مما تقدم في هذه السورة وغيرها بعيد عن ذلك ، لأنه ملكه وفي ملكه وتحت قهره : ( الله ) أي الملك الذي لا تكتنه عظمته ولا تضعف قدرته ، لا لغيره ) ملك السماوات ( بدأ بها لأنها أشرف وأكبر ، وآياتها أدل وأكثر ) والأرض ( على اتساعهما وعظمهما وتباعد ما بينهما ) وما فيهن ) أي من جوهر وعرض .
ولما كان ذلك أنهى ما نعلمه ، عمم بقوله : ( وهو على كل شيء ) أي من ذلك وغيره من كل ما يريد ) قدير ( فلذلك هو يحكم ما يريد لأنه هو الإله وحده ، وهو قادر على إسعاد من شاء وإشقاء من شاء ، وإحلال ما شاء وتحريم ما شاء ، والحكم بما يريد ونفع الصادقين الموفين بالعقود الثابتين على العهود ، لأن له ملك هذه العوالم وما فيها مما ادعى فيه الإلهية من عيسى وغيره ، والكل بالنسبة إليه أموات ، بل موات جديرون بأن يعبر عنهم ب ( ما ) لا ب ( من ) ، فمن يستحق معه شيئاً ومن يملك معه ضراً أو نفعاً وقد انطبق آخر السورة على أولها كما ترى أي انطباق ، واتسقت جميع آياتها أخذاً بعضها بحجز بعض أيّ اتساق ؛ فسبحان من أنزل هذا القرآن على أعظم البيان مخجلاً لمن أباه من الأمم ، معجزاً لأصحاب السيف والقلم ، والله سبحانه وتعالى أعلم .
.. . .