كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 2)

صفحة رقم 582
بالحمد فقال : ( هو الذي خلقكم ( ولما كانوا يستبعدون البعث لصيرورة الأموات تراباً واختلاط تراب الكل بعضه ببعض وبتراب الأرض ، فيتعذر التمييز ، وكان تمييز الطين لشدة اختلاط أجزائه بالماء أعسر من تميز التراب قال : ( من طين ) أي فميز طينة كل منكم - مع أن منكم الأسود والأبيض وغير ذلك والشديد وغيره - من طينة الآخر بعد أن جعلها ماء ثخيناً له قوة الدفق ونماها إلى حيث شاء من الكبر .
ولما كان من المعلوم أن ما كانا من شيء واحد كانت مدة بقائهما واحدة ، نبه بأداة التراخي على كمال قدرته واختياره من المفاوتة بين الآجال فقال : ( ثم قضى ) أي حكم حكماً تاماً وبتّ وأوجد ) أجلاً ) أي وقتاً مضروباً لانقضاء العمر وقطع التأخر لكل واحد منكم خيراً كان أو شريراً ، قوياً كان أو ضعيفاً ، من أجل يأجل أجولاً - إذا تأخر ، وجعل تلك الآجال - مع كونها متفاوتة - متقاربة لا مزية لأحد منكم بصفة على آخر بصف ةمغاترة لها ، وفاعل ذلك لا يكون إلا واحداً فاعلاً باختيار .
ولما ذكر الأجل الأول الذي هو الإبداع من الطين إشارة إلى ما فرع منه من الآجال المتفاوتة ، ذكر الأجل الآخر الجامع للكل ، لأن ذكر البداية يستدعي ذكر النهاية ، فقال مشيراً إلى تعظيمه بالاستئناف والتنكير : ( وأجل ) أي عظيم ) مسمى ) أي لكم أجمعين لانقضاء البرزخ للإعادة التي هي في مجاري عاداتكم أهون من الابتداء لمجازاتكم والحكم بينكم الذي هو محط حكمته ومظهر نعمته ونقمته في وقت واحد ، يتساوى فيه الكل ، وستر علمه عن الكل كما أشار إليه بالتنكير ، وهذا لا يصح أن يكون إلا لواحد ، لا متعدد ، وإلا لتباينت المقادير والإرادات وانشق كل مقدور في صنف لا يتعداه ، وإلا لعلا بعضهم على بعض وانهتكت أسرار البعض بالبعض - سبحان الله وتعالى عما يصفون ، وغير السياق إلى الاسمية إشارة إلى اختصاصه بعلمه وأنه ثابت لا شك فيه ويؤكده إثبات قوله : ( عنده ( في هذه الجملة وحذفها من الأولى هنا وفي قوله
77 ( ) ثم يبعثكم فيه ليقضي أجل مسمى ( ) 7
[ الأنعام : 60 ] ، وقدم المبتدأ مع تنكيره - والأصل تأخيره - إفادة لتعظيمه .
ولما كان في هذا البيان لوحدانيته وتمام قدرته لا سيما على البعث الذي هو مقصود حكمته ما يبعد معه الشك في الإعادة ، أشار إليه بأداة التراخي وصيغة الافتعال فقال : ( ثم أنتم تمترون ) أي تكلفون أنفسكم الشك في كل من الوحدانية والإعادة التي هي أهون على مجاري عاداتكم من الابتداء بتقليد الآباء ، والركون إلى مجرد الهوى والإعراض عن الأدلة التي هي أظهر من ساطع الضياء ، وهذه الآية نظير آية الروم
77 ( ) أولم يتفكروا في أنفسهم ( ) 7
[ الروم : 8 ] أي كيف خلقهم الله من طين ، وسلط بعضهم

الصفحة 582