كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 2)
صفحة رقم 59
الرسوخ قوله : ( ومن يفعل ذلك ) أي هذا الأمر البعيد من أفعال ذوي الهمم الذي يكون به في عداد الأعداء بعد هذا البيان ومع رفع هذا الحجاب الذي كان مسدولاً على أكثر الخلق ) فليس من الله ) أي الذي بيده كل شيء فلا كفوء له ) في شيء ( قال الحرالي : ففي إفهامه أن من تمسك بولاية المؤمنين فهو من الله في شيء بما هو متمسك بعنان من هو له وسيلة إلى الله سبحانه وتعالى من الذين إذا رؤوا ذكر الله - انتهى .
ولما كان من الناس القوي والضعيف والشديد واللين نظر إلى أهل الضعف سبحانه وتعالى فوسع لهم بقوله : ( إلا أن تتقوا منهم تقاة ) أي إلا أن تخافوا منهم أمراً خطراً مجزوماً به ، لا كما خافه نصارى نجران وتوهمه حاطب ، فحينئذ يباح إظهار الموالاة وإن كانت درجة من تصلب في مكاشرتهم وتعزز لمكابرتهم ومكاثرتهم ، وإن قطع أعظم فإياكم أن تركنوا إليهم فإن الله سبحانه وتعالى يحذركم إقبالكم على عدوه ، فإن ذلك موجب لإعراضه عنكم ) ويحذركم الله ) أي الملك الأعظم ) نفسه ( فإنه عالم بما تفعلونه .
وهو الحكم في الدنيا كما ترون من إذلاله العزيز وإعزازه الذليل ، وهذا المحذر منه وهو نفسه سبحانه وتعالى - كما قال الحرالي - مجموع أسماء تعاليه المقابلة بأسماء أوصافهم التي مجموعها أنفسهم .
وموجود النفس ما تنفس ، وإن كانت أنفس الخلق تنفس على ما دونها إلى حد مستطاعها ، فكان ما حذره الله من نفسه أولى وأحق بالنفاسة في تعالي أوصافه وأسمائه أن تنفس على من يغنيه فلا يستغني ، ويكفيه فلا يكتفي ويريه مصارف سد خلاته وحاجاته فلا ينصرف إليها ولا يتوجه نحوها ، فهو سبحانه وتعالى يعذب من تعرف له بنفسه فلم يعرفه أشد من عذاب من يتعرف له بآياته فلا يعتبر بها ، بما أن كل ما أبداه من نفسه بلا واسطة فهو أعظم مما أبداه بالواسطة من نعيم وعذاب ، فلا أعظم من نعيم من تعرف له بنفسه فرعفه ، ولا أشد من عذاب من تعرف له بنفسه فأنكره - انتهى .
ولما كانت مصائب الدنيا قد تستهان قال سبحانه وتعالى عاطفاً على نحو ما تقديره : فمن الله المبدأ : - وقال الحرالي : ولما كان الزائل أبداً مؤذناً بترك الاعتماد عليه أقام تعالى على المتمسك بما دونه حجة بزواله ، فلا يستطيع الثبات عليه عند ما تناله الإزالة والإذهاب ، ويصير الأمر كله لله ، فأعلم أن المصير المطلق إلى الله سبحانه وتعالى ، فنم تعرف إليه فعرفه نال أعظم النعيم ، ومن تعرف إليه فأنكره نال أشد الجحيم - انتهى ؛ فقال - : ( وإلى الله ) أي الذي له الإحاطة الكاملة ) المصير ) أي وإن طال إملاؤه لمن أغرض عنه فيوشك أن ينتقم منه .
ولما كانت الموالاة بالباطن المنهي عنها مطلقاً ودائماً قد تفعل ويدعى نفيها