كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 2)

صفحة رقم 590
أنه لا يتقدر ، بل إذا انقضى أكثر أهل عصر قيل : انقضى القرن ، ودل على ما شاهدوا من آثارهم بقوله : ( مكناهم ) أي ثبتناهم بتقوية الأسباب من البسطة في الأجسام والقوة في الأبدان والسعة في الأموال ) في الأرض ) أي بالقوة والصحة والفراغ ما لم نمكنكم ، ومكنا لهم بالخصب والبسطة والسعة ) ما لم نمكن ) أي تمكيناً لم نجعله ) لكم ) أي نخصكم به ، فالآية من الاحتباك أو شبهه ، والالتفات من الغيبة إلى الخطاب لئلا يلتبس الحال ، لأن ضمير الغائب يصلح لكل من المفضول والفاضل ، ولا يُبقي اللبس التعبيرُ بالماضي في قوله ) وأرسلنا السماء ) أي المطر تسمية للشيء باسم سببه أو السحاب ) عليهم ( .
ولما كان المراد المطر ، كان التقدير : حال كونه ) مدراراً ) أي ذا سيلان غزير متتابع لأنه صفة مبالغة من الدر ، قالوا : ويستوي فيه المذكر والمؤنث .
ولما ذكر نفعهم بماء السماء ، وكان غير دائم ، أتبعه ماء الأرض لدوامه وملازمته للبساتين والرياض فقال : ( وجعلنا الأنهار تجري ( ولما كان عموم الماء بالأرض وبُعده مانعاً من تمام الانتفاع بها ، أشار إلى قربه وعدم عموم الأرض به بالجار فقال : ( من تحتهم ) أي على وجه الأرض وأسكناه في أعماقها فصارت بحيث إذا حفرت نَبَعَ منها من الماء ما يجري منه نهر .
ولما كان من المعلوم أنه من الماء كل شيء حي ، فكان من أظهر الأشياء أنه غرز نباتهم واخضرت سهولهم وجبالهم ، فكثرت زروعهم وثمارهم ، فاتسعت أحوالهم وكثرت أموالهم فتيسرت آمالهم ، أعلم سبحانه أن ذلك ما كان إلاّ لهوانهم استدراجاً لهم بقوله مسبباً عن ذلك : ( فأهلكناهم ) أي بعظمتنا ) بذنوبهم ) أي التي كانت عن بطرهم النعمةَ ولم نبال بهم ولا أغنت عنهم نعمهم .
ولما كان الإنسان ربما أبقى على عبده أو صاحبه خوفاً من الاحتياج إلى مثله ، بين أنه سبحانه غير محتاج إلى شيء فقال : ( وأنشأنا ( ولما كان سبحانه لم يجعل لأحد الخلد ، أدخل الجار فقال : ( من بعدهم ) أي فيما كانوا فيه ) قرناً ( ودل على أنه لم يُبق من المهلكين أحداً ، وأن هذا القرن الثاني لا يرجع إليهم بنسب بقوله : ( آخرين ( ولم ينقص ملكُنا شيئاً ، فاحذروا أن نفعل بكم كما فعلنا بهم ، وهذه الآية مثل آية الروم
77 ( ) أو لم يسيروا في الأرض ( ) 7
[ الروم : 9 ] - الآية ، فتمكينهم هو المراد بالشدة هناك ، والتمكين لهم هو المراد بالعمارة ، والإهلاكُ بالذنوب هو المراد بقوله
77 ( ) فما كان الله ليظلمهم ( ) 7
[ الروم : 9 ] و [ التوبة : 70 ] - إلى آخر الآيتين .

الصفحة 590