كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 2)
صفحة رقم 594
واعتسافهم شيئاً لغير الله ؟ تذكيراً لهم بما رحمهم به من ذلك في إيجاده لهم أولاً وتيسير منافعه ودفع مضاره ثانياً ، استعطافاً لهم إلى الإقبال عليه والإعراض عن الخضوع لما هو مثلهم أو أقل منهم ، وهو ملكه سبحانه وفي قبضته ، وتقبيحاً لأن يأكلوا خيره ويعبدوا غيره .
فقال مقرراً لهم على إثبات الصانع والنبوة والمعاد ، ومبكتاً بسفههم وشدة جهلهم وعمههم : ( قل لمن ( ونبه بتقديم المعمول على الاهتمام بالمعبود ) ما في السماوات والأرض ( .
ولما كانوا في مقام العناد حيث لم يبادروا إلى الإذعان بعد نهوض الأدلة وإزاحة كل علة ، أشار إلى ذلك بقوله معرضاً عن انتظار جوابهم توبيخاً لهم بعدم النصفة التي يدعونها : ( قل الله ) أي الذي له الإحاطة الكاملة قدرة وعلماً ولا كفوء له ، لا لغيره ، وهم وإن كانوا معاندين فإنهم لا يمكنهم رد قولك ، لا سيما وجواب الإنسان عما سأله إنما يحسنأن يتعاطاه هو بنفسه إذا كان قد بلغ في الظهور إلى حد لا يقدر على إنكاره منكر ، وهو هنا كذلك لأن آثار الحدوث والإمكان ظاهرة على صفحات الأكوان ، فكان الإقرار بن ضروري ، لا خلاف فيه .
ولما كان أكثر ما في هذا الكون منافع مع كونها حسننة لذيذة طيبة شهية ، وما كان فيها من مضار فهي محجوبة ممنوعة عنهم ، يقل وصولها إليهم إلا بتسببهم فيها ، والكل مع ذلك دلائل ظاهرة على وحدانيته وتمام علمه وقدرته ، وكان ذلك أهلاً لأن يتعجب منه لعموم هذا الإحسان ، مع ما هم عليه من الإثم والعدوان ، وتأخير العذاب عنهم مع العناد والطغيان ، قال دالاً على أن رحمته سبقت غضبه مستأنفاً : ( كتب ) أي وعد وعداً هو كالمكتوب الذي ختم ، وأكد غاية التأكيد ، أو كتب حيث أراد سبحانه .
ولما كانت النفس يعبر بها عن الذات على ما هي عليه قال : ( على نفسه الرحمة ) أي فلذلك أكرمكم هذا الإكرام بوجوه الإنعام ، وأخر عنكم الانتقام بالاستئصال ، ولو شاء هو لسلط عليكم المضار ، وجعل عيشكم من غير اللذيذ كالتراب وبعض القاذورات التي يعيش بها بعض الحيوانات .
ولما كان ذلك مطمعاً للظالم البطر ، ومعجباً محيراً مؤسفاً للمظلوم المنكسر ، قال محذراً مرحباً مبشراً ملتفتاً إلى مقام الخطاب لأنه أبلغ وأنص على المقصود دالاً على البعث بما مضى من إثبات أن الأكوان لله ، لأن كل ما فيها موصوف بصفات يجوز اتصافه بأضدادها ، فاختصاص كل جسم بصفته المعينة إنما يكون بتخصيص الفاعل المختار ، فيكون قادراً على الإعادة ، لأن التركيب الأول إنما كان لأن صانعه قادر على جميع الممكنات لكونه عالماً بجميع المعلومات ، والاتصاف بذلك لا يجوز انفكاكه عنه