كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 2)
صفحة رقم 601
تابعاً يوم القيامة ) أخرجه الشيخان عن أبي هريرة رضي الله عنه .
ولعل الاقتصار على الإنذار مع ما تقدم إشارة إلى أن أكثر الخلق هالك ، وقد ذكر في نزول هذه الآية أن أهل مكة أتوا رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) فقالوا : أما وجد الله رسولاً غيرك ؟ ما نرى أحداً يصدقك بما تقول ، ولقد سألنا عنك اليهود والنصارى فزعموا أنه ليس عندهم منك ذكر ، فأرنا من يشهد أنك رسول الله كما تزعم ، فأنزلها الله .
ولما لم يبق لمتعنت شبهة ، ساق فذلكة ذلك وقطب دائرته - وهو لزوم التوحيد الذي جعلت الرسالة مُرَقَّى إليه ، فإذا ثبت في قلب فاضت أنواره بحسب ثباته حتى أنها ربما ملأت الأكوان وعلت على كيوان - مساق استفهام على طريقة الإنكار والتعجيب تعظيماً لشأنه وتفخيماً لمقامه وتنبيهاً لهم على أن يعدوا عن الشرك فقال : أئنكم لتشهدون أن مع الله ) أي الذي حاز جميع العظمة ) آلهة ( .
ولما كانوا لكثرة تعنتهم رمبا أطلقوا على أسمائه سبحانه إله كما قالوا حين سمعوه ( صلى الله عليه وسلم ) يقول : ( يا الله يا رحمن ) كما سيأتي إن شاء الله تعالى آخر الحِجْر وآخر سبحان ، صرح بالمقصود على وجه لا يحتمل النزاع فقال : ( أخرى ( ولما كان كأنه قيل : إنهم ليقولون ذلك ، فماذا يقال لهم ؟ قال : ( قل لا أشهد ) أي معكم بشيء مما تقولونه لأنه باطل ، ولو كان حقاً لشهدت به .
ولما كان هذا غير قاطع لطمعهم فيه ، اجتثَّه من أصله وبرمته بقوله : ( قل إنما هو ) أي الإله ) إله واحد ( وهو الله الذي لا يعجزه شيء وهو يعجز كل شيء ، لأنه واحد لا كفوء له ، فإنكم عجزتم عن الإتيان بسورة من مثل كلامه وأنتم أفصح الناس .
ولما كان معنى هذا البراءة من إنذارهم ، صرح به في قوله مؤكداً في جملة اسمية : ( وإنني بريء مما تشركون ) أي الآن وفي مستقبل الزمان إبعاداً من تطمعهم أن تكون الموافقة بينه وبينهم باتخاذه الأنداد أو شيئاً منها ولياً ، فثبت التوحيد بهذه الآية بأعظم طرق البيان وأبلغ وجوه التأكيد ، ولقد امتثل ( صلى الله عليه وسلم ) الأمر بإنذار من يمكن إبلاغه القرآن ، فلما استراح عن حرب قريش وكثير ممن حوله من العرب في عام الحديبية ،