كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 2)

صفحة رقم 61
شديداً ) ولو أن بينها وبينه ) أي ذلك العمل السوء ) أمداً ) أي زماناً .
قال الحرالي : وأصله مقدار ما يستوفي جهد الفرس من الجري ، فهو مقدار ما يستوفي ظهور ما في التقدير إلى وفاء كيانه ) بعيداً ( من البعد ، وهو منقطع الوصلة في حس أو معنى - انتهى .
فالآية من الاحتباك : ذكر إحضار الخير دلالة على حضور السوء ، وود بعد السوء دلالة على ود لزوم الخير .
ولما ذكر هول ذلك اليوم كان كأنه قال : فاتقوه فإن الله يحذركموه ) ويحذركم الله ) أي الذي له العظمة التي لا يحاط بها ) نفسه ( فالله سبحانه وتعالى منتقم ممن تعدى طوره ونسي أنه عبد ، قال الحرالي : أن تكون لكم أنفس فتجد ما عملت ، ويلزمها وطأة هذه المؤاخذة ، بل الذي ينبغي أن يبرىء العبد من نفسه تبرئبته من أن يكون له إرادة ، وأن يلاحظ علم الله وقدرته في كلية ظاهره وباطنه وظاهر الكون وباطنه - انتهى .
ولما كان تكرير التحذير قد ينفر بين أن تحذيره للاستعطاف ، فإنه بنصب الأدلة وبعث الدعاة والترغيب في الطاعة والترهيب من المعصية المسبب عنه سعادة الدارين ، فهو من رأفته بالمحذرين فقال بانياً على ما تقديره : ويعدكم الله سبحانه وتعالى فضله ويبشركم به لرافته بكم : ( والله ) أي والحال أن الذي له وحده الجلال والإكرام ) رؤوف بالعباد ( قال الحرالي : فكان هذا التحذير الخاتم ابتدائياً ، والتحذير السابق انتهائياً ، فكان هذا رأفة سابقة ، وكان الأول الذي ترتب على الفعل تحذيراً لاحقاً متقصلاً بالمصير إلى الله ، وهذا الخاتم مبتدأً بالرأفة من الله .
والرأفة - يقول أهل المعاني - هي أرق الرحمة ، والذي يفصح عن المعنى - والله سبحانه وتعالى أعلم - أنها عطف العاطف على من يدجد عنده منه وصلة ، فهي رحمة ذي الصلة بالراحم ، فنم تحقق أن الأمر لله سبحانه وتعالى وجد رلفقه وفضله ورحمته عليه لما برىء من دعوى شيء من نسبة الخير إلى نسفه ، فأحبه لذلك ، قيل لأعرابي : إنك تموت وتبعث وترجع إلى الله ؟ فقال : أتهددونني بمن لم أر الخير قط إلا منه فلذلك إذا تحقق العبد ذلك من ربه أحبه بما وحّده وبما وجده في العاجلة فحماه أن يجد عمل نفسه في الآجلة - انتهى .
وقد علم أن الآية من الاحتباك : التحذير أولاً دال على الوعد بالخير ثانياً ، والرأفة ثانياً دالة على الانتقام أولاً - والله سبحانه وتعالى الموفق .
ولما فطمهم سبحانه وتعالى عن موالاة الكفار ظاهراً وباطناً بما اقتضى القصر على موالاة أهل الله لنفيه من تولي الكفر عن أن يكون في شيء من الله ، وكان الإنسان ربما وإلى الكافر وهو يدعي محبة الله سبحانه وتعالى ، وختم برأفته سبحانه و تعالى بعباده ، وكانت الرأفة قد تكون عن المحبة الموجبة للقرب ، فكان الإخبار بهما ربما دعا إلى

الصفحة 61