كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 2)
صفحة رقم 621
أي لم يكن شيء فتنتهم إلاّ هذا القول ، فهذا القول وحده فتنتهم ، فنفى عن فتنتهم وسلب عنها كل شيء غير قولهم هذا ، فالفتنة مقصورة على قولهم الكذب ، والكذب قد يكون ثابتاً لغيرها ، أي إنهم يكذبون من غير فتنة ، بل في حال الرخاء ، وهذا بعينه معنى قراءة ابن كثير وابن عامر وحفص برفع فتنة ، أي لم تكن فتنتهم شيئاً غي ركذبهم ، فقد نفيت فتنتهم عن كل شيء غير الكذب ، فانحصرت فيه ، ويجوز أن يكون ثابتاً في حال غيرها - على ما مر ، وهذا التقدير نفيس عزيز الوجود دقيق المسلك - يأتي إن شاء الله تعالى عند
77 ( ) وما كان صلاتهم عند البيت ( ) 7
[ الأنفال : 35 ] في الأنفال ما ينفع هنا فراجعه .
ولما كان هذا من أعجب العجب ، أشار إليه بقوله : ( انظر ( وبالاستفهام في قوله : ( كيف كذبوا ( وبالإشارة إلى أنهم فعلوه مع علمهم بما انكشف لهم من الغطاء أنه لا يجديهم بقوله : ( على أنفسهم ( وهو نحو قوله
77 ( ) فيحلفون له كما يحلفون لكم ( ) 7
[ المجادلة : 18 ] - الآية .
ولما كان قولهم هذا مرشداً إلى أن شركاءهم غابوا عنهم ، فلم ينفعوهم بنافعة ، وكان الإعلام بفوات ما أنهم مقبل عليه فرح به ، ساراً لخصمه جالباً لغمه ، صرح به في قوله : ( وضل ) أي غاب ) عنهم ( إما حقيقة أو مجازاً ، أو هما بالنظر إلى وقتين ، ليكون إنكاراً ) ما كانوا يفترون ) أي يتعمدون الكذب في ادعاء شركته عناداً لما على ضده من الدلائل الواضحة .
ولما علم أن هذه الآيات قد ترابطت حتى كانت آية واحدة ، وختم بأن مضمون قوله
77 ( ) فقد كذبوا بالحق لما جاءهم ( ) 7
[ الأنعام : 5 ] - الآية ، قد صار وصفاً لهم ثابتاً حتى ظهر في يوم الجمع ، قسم الموسومين بما كانت تلك الآية سبباً له ، وهو الإعراض عن الآيات المذكور في قوله
77 ( ) إلاّ كانوا عنها معرضين ( ) 7
[ الأنعام : 4 ] ، فكان كأنه قيل : فمنهم من أعرض بمليته ، فعطف عليه قوله : ( ومنهم من يستمع إليك ) أي يصغي بجهده كما في السيرة عن أبي جهل بن هشام وأبي سفيان بن حرب والأخنس بن شريق أن كلاًّ منهم جلس عند بيت النبي ( صلى الله عليه وسلم ) في الليل يستمع القرآن .
لا يعلم أحد منهم بمجلس صاحبه ، فلما طلع الفجر انصرفوا فضمهم الطريق فتلاوموا وقالوا : لو رآكم ضعفاؤكم لسارعوا إليه ، وتعاهدوا على أن لا يعودوا ، ثم عادوا تمام ثلاث ليال ، ثم سأل الأخنس أبا سفيان عما سمع فقال : سمعت أشياء عرفتها وعرفت المراد منها ، وأشياء لم أعرفها ولم أعرف المراد منها ، فقال : وأنا كذلك ، ثم سأل أبا جهل فأجاب